محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٦٠ - الخطبة الأولى
الوليد والطفل لو انطلق إدراكه، وانفسحت رؤيته، وامتدّ شعوره ووعى أن لبن الأم وحنانها وقوّتها وقلبها الشفيق ليست هي مصدره الأصل، ولا يعود فضله الأول إليها لتعلّق منه القلب وأمله ورجاؤه بالله عزّ وجلّ قبل تعلّقه بأمّه، وكان تشبّثه بالعلاقة بربّه قبل تشبّثه بها وأقوى وأشد وأمتن.
وهكذا بالنسبة لكلّ آمل وراج فلو انكشف ما على البصائر من غشوات العمى لكانت الآمال كلّها منتهية إلى البارئ العظيم واقفةً عليه، غير مستقرّة إلا عنده، وهو منتهى كل قوة، ومصدر كل غنى، وإليه مردّ كلِّ خير، وقدرته وإرادته وراء كل حادث.
وإذا كان الله تبارك وتعالى المُؤمَّلَ الوحيدَ في النفس لم يكن لها معبود سواه، ولا اشتغالٌ بغير طاعته وذكره وشكره.
وكلّ مؤمَّل غير الله تذوب الآمال فيه وتتبخّر إلى لا شيء، وينحسر الرجاء وتقوم الخيبة مقامه، وينكشف أنه رجاء في السراب، وأمل في العدم إذا تبدّل جهل النفس علماً، وضلالها هدى، وعماها بصيرة. فليس من مؤمّل في ذاته على الإطلاق إلا الله، وهو الحق الأوّل الكامل المطلق، لا أول معه، ولا كامل، ولا مطلق سواه.
تعليم النبيّ إبراهيم عليه السلام إلى النّاس أن تقدُّمَ الرؤية يطيح بالآمال في أي شيء من دون الله كان ذلك الشيء مثل الكوكب الهادي، والقمر المنير، والشمس بما هي عليه من غنى ونور أكبر منهما، أو كان ذلك الشيء هو الأكبر في عالم الإمكان على الإطلاق، وأنّ الرؤية لا تصدق أتمّ صدق فيما تتعلق به من قوة وغنى وجمال وعطاء حتى تتجاوز المحدود إلى غير المحدود، والأسباب إلى المسبّب، وأن الآمال المترشّحة عن الرؤية لمصدر