محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٤١ - الخطبة الأولى
هدّا، إذا لم نلتفت إلى آيات الخلق المستمرّة في هذا الكون، إلى تدفّق الحياة كلّ لحظة على موجوداتٍ وأحياءٍ جديدة، إذا لم نلتفت إلى ما تُعقبه لذائذ الدنيا وما هي علاقاتها وعدم دوامها، وهشاشة علاقات فيها نحرص على ابتغائها، والوصول إليها أصبنا بالعمى وأكبرنا الدنيا، وتجاوزنا بها كثيراً عن حجمها وحقيقتها.
إنّ لبعض الناس ولداً يتمنّى أن لم يكن له ذلك الولد، ومن الأبناء من يتمنّى أن لم يكن ابناً لذلك الأب، والزوجة التي كانت على أشدّ فرحها يوم أن تقدّم لها خطيبها ربّما تمنّت الآن أن لم تره على الإطلاق، والزوج العشّاق الذي دفعه عشقه العارم لطلب ابنة الحلال بأغلى الأثمان التي يملكها ربما تمنى اليوم أن لم تعرفه ولم يعرفها، وهذه أمتن العلاقات؛ علاقة أبٍ وابنه، وعلاقة زوج وزوجه، وتريك الدنيا أن هذه العلاقات وهؤلاء الأحبة قد يكونون عليك لا لك، أليس من الأولاد والأزواج- نساءاً أو رجالًا- من هو فتنة؟! هذه الدنيا.
إذا فتحنا أعيننا على القصور، والحقول، والمناصب، ولم نفتح هذه الأعين على نهايات القصور، والحقول، والمناصب، وفتحنا أعيننا على جمال الزهرة، وجمال الطبيعة، ولم نفتح هذه الأعين على ما ينتهي إليه جمال الزهور والورود، وجمال الطبيعة، وأنّ كل شيء إلى زوال، وأنّ كل شيء إلى أفول فسنكون مسحورين للدنيا، أمّا إذا وقفنا وقفة التأمّل، وواجهنا الدنيا بأسماع مفتوحة، وأبصار نافذة، وأفئدة وعيّة فإنّ الدنيا ستأخذ بنا إلى طريق الآخرة، وستعلّمنا أنها المعبر والممر، وأنّ الحياة الحقيقية ليست فيها.
الدنيا تقدّم مغريات، وملهيات، وفي مقابلها دروساً وعظات.