محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٤٣ - الخطبة الأولى
لو أخذ النّاس من هذه الدنيا ما يحتاجونه وما يشتهونه ولكن عن طريق الحلال لما كانت أزمة اقتصادية، ولما كان اقتتال كبير في الأرض، ولما كان شرٌّ مستطير.
واللذة منها طيّب وخبيث فما طاب منها حل، وما خبث دخل في الحرام.
ويدخل في ضابطة التعامل مع الدنيا أن لا يتصاغر الإنسان فيسقظ أمام شهواتها ولو كانت هذه الشهوات في حدود ما هو من الحلال.
صحيح أنك تطلب حلالًا تغذّي به طموح الشهوة الحلال، ولكن وأنت في طريق تلبية هذه الشهوة تبذل من ماء وجهك الكثير، ويخفّ وزنك عند هذا وذاك، وتفقد المنزلة من شرفك في الناس بعد المنزلة، وتُسجّل على نفسك منّاً بعد منٍّ ممن يستحقّ وممن لا يستحقّ، وتدخل علاقات تودّدية مع الآخرين وكل ذلك من أجل لقمة، أو كسوة، أو مسكن يوافق مشتهاك وإن كان فوق حاجتك، وبذلك تفعل بنفسك سوءا، وأفعل بنفسي سوءا بهذا التهالك على الدنيا والارتماء في أحضانها وإن كانت من الحلال على حساب ما هو أهم من لذّة عابرة، وشهوة منقضية.
هذا حدٌّ من حدود طلب الدنيا وهو أن لا أبيع نفسي رخيصاً ولو منزلتي في الدنيا، سمعتي في الناس، وزني في الناس. لِمَ أبيعه من أجل لذّة من لذات الحياة يمكنني الاستغناء عنها؟!
ويأتي من مقوّمات الضابطة أنّك إنسان لا توغل في طلب المشتهيات، وكل طلبك الحلال، وعن طريق الشرف، ولكن تخرج من أكلة ملذّة إلى أكلة أخرى ملذّة، تبني منزلا ثم تبني المنزل الثاني بحيث يكون أفخم منه أو أكثر تطريزا، وتمضي الأيام والليالي وهمّك مصروف في المنازل، وفي اللذات، وفي ما يُسمّى بالديكور، وفي تجديد الأثاث، في كل هذه الأشياء