محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣١٧ - الخطبة الأولى
والحجة الأخرى: وَ جاءَكُمُ النَّذِيرُ ومع فسحة العمر يوجدُ نُذر موت الآخرين نذير، شيبي نذير، مرضي نذير، موت الحيوان، موت النبات نذير، وذلك إلى جنب نذر الله عزّ وجلّ من كتبه ورسله.
وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ٢.
وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ ٣ عندك عمر، وفسحة العمر قد تطول، ولكنها قد تقصر أيضاً، والعمر ليس كلُّه مسرح عمل، وصالحاً لأن يستدرك فيه الإنسان ما فات، قد نُردُّ إلى أرذل العمر فنفقد كلّ القوى، فتنهار قوى الجسد، وتنهار قوى العقل، وينحطّ مستوى الإرادة، فلابد من استثمار العمر مبكّراً إذ لا أضمن أن غداً وإن بقيتُ يكون عمري صالحاً للاستثمار، جلطة ذهنية فقط تعطّل كل شيء.
وفي الحديث:
عن النبي صلَّى الله عليه وآله:" كن على عمرك أشحّ منك على درهمك ودينارك" ٤.
إذا حسن لك أن تبذل دينارك ودرهمك إلى من يستحق، وصحّ لك في بعض الوجوه أن تبذل شيئاً إلى من لا يستحق فإن شيئاً من العمر لا يصح لك هدره في ما لا ينفع، فإنه إذا أمكن لك أن تجد من درهمك ودينارك بدلًا من جنسه، فلا يمكنك أن تجد عمراً بدلًا، والعمر الذي يُكسب به الدنيا والدرهم لا تُعوّضك عنه الدنانير الكثيرة. والحرص على العمر، والشّح به بأن لا يُوضع في غير مرضاة الله، فما بُذل منه في غير مرضاته تبارك وتعالى فكأنما رُمي به في البحر، أو اشترى به صاحبه النّار.