محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣١٩ - الخطبة الأولى
لا يغلب والحال هذه خيرُه شرَّه، ويبقى ميزان سيئاته هو الراجح ففي ذلك علامة شؤم على أنَّ نفسه مختارةٌ ما عاشت طريق النّار.
وإذا أمكن أن يكون للإنسان أجلان محتوم لا يزيد أبداً، ومعلّق يقبل الامتداد على تقدير حصول شرط فإن الإنسان يمكن أن يطلب طول العمر من النوع الثاني ببعض الأعمال الصالحة كما في هذه الطائفة من الأحاديث:
عن الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلّم:" أكثر من الطهور يزد الله في عمرك" ٨،" من سرّه أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أجله فليصل رحمه" ٩. وعن الإمام علي عليه السلام:" من حسنت نيّته زيد في عمره" ١٠،" من حسن بِرّه بأهل بيته زيد في عمره" ١١.
ولو كانت الدنيا باقية للإنسان، ولم يكن الرزق قد كفله الخالق مع ما أَلزَمَ السعي المعقول لانفتح باب يُعذر داخله إذا حرص على طلب المال من غير حدود، وصرف الوقت من غير حساب لتأمين حاجات البدن الملازمة له في هذه الحياة، ولكن محدودية الحياة، وكون الرزق قد كفله الخالق الرازق، وإن كُلِّف الإنسان السعي الذي لا يستهلك حياته، ولا يستوعب وقته، ويحرُمه من تكميل نفسه، وينسيه ربَّه ينفي أن يكون طلب المال طلباً مفتوحاً، وابتغاء الثروة، والركضُ وراء المزيد منها هدفاً مقبولًا أن يُصرف فيه العمر، ويستقطِب الهمّ، ويستوعِب التفكير، ويمتص الحياة، ويستفرد بها؛ هذا ما تفيده الكلمة عن أمير المؤمنين عليه السلام:" إنّما أنت عدد أيام، فكلّ يوم يمضي عليك يمضي ببعضك؛ فخفّض في الطلب، وأجمل في المكسب" ١٢ فالعمر محدود، والذي ينقص يوميّاً، وكلّ لحظة لا تجمع له المليارات من الحلال والحرام، وعلى حساب إنسانية طالبه وراحة باله وشرفه