محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٤٤ - الخطبة الأولى
وأمثالها. هذا عمر، هذا عقل، هذه روح، هذه إنسانية تبيعها على هذه اللذّات؟! أتستهلك ذاتك في لذّات منقضية؟! لا توغل في طلب المشتهيات لتتحوّل عبداً لها، ولتستهلك منك عمرك، وقابلياتك الكبيرة، ومستواك الرفيع عند الله عزو جل حتى يضمر ويقلّ حظّك في الآخرة.
ويدخل في ضابطة التعامل مع الدنيا أن توظَّف الدنيا من أجل الإنسان نفسه. اطلب، اعمل، ولكن لا تعمل، ولا تكسب من أجل العمل والكسب الدنيوي نفسه، أو من أجل أن تكون دنياك دنيا للذة ومتعة لا غير. فلتأكل حين تأكل، وتشربْ حين تشرب، وتلبس حين تلبس، من أجل رفع مستواك المعنويّ، وبناء إنسانيتك، والقرب من الله عزّ وجل، وطلب الموقع الكبير في الآخرة. فلتعش دنياك بوعي غايتك التي أوجدك الله سبحانه وتعالى من أجلها وهي أن تكون الإنسان الكريم السعيد عنده في الآخرة.
ونتعلم من كلمته عليه السلام أن الآخرة ليست لتعطيل الدنيا، ولا لعرقلتها، ولا لعذاب أبنائها، إنما فكرة الآخرة من أجل التقدم بالدنيا على خطّ بناء الإنسان وتكامله.
الكلمة الأخيرة ولو قراءة وهي عن الإمام علي عليه السلام:" إنْ جَعَلْتَ دينَكَ تَبَعاً لِدُنياكَ أهْلَكْتَ دينَكَ وَ دُنْياكَ، وَ كُنْتَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرينَ. إنْ جَعَلْتَ دُنْياكَ تَبَعاً لِدينِكَ أحْرَزْتَ دينَكَ وَ دُنْياكَ، وَ كُنْتَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الفائِزينَ" ٤.
وهي نتيجة حتمية،. هذه البعثرة في العالم، وهذا الصراع الذي يسكن كل بيت، ويفسد على الناس حياتهم وهناءتهم جذره هو أننا جعلنا ديننا تبعاً لدنيانا.
والحمد لله رب العالمين.