محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٩ - الخطبة الأولى
الفخر يدعونا دائماً لمضاعفة ما بأيدينا من الدنيا. التفاخر بالدنيا، التفاخر بزينتها، بأشيائها، بشهرها، بمناصبها، إلخ يأكل أعمار الناس بعيداً عن غاية الحياة.
خوف الفقر حين يتعمّق ويتجاوز حده المعقول، ويشتد ويكبر ويستفحل ويستولي على النفس فإنه يحوّل الحياة إلى مشغلة بسيطة، وكذلك هو طلب الفخر، لأن طلب الفخر لا يقف بالإنسان على قناعة عند حد من حدود الأرصدة الدنيوية، وبذلك يلتهم حياة الإنسان بعيدا بعيدا عن هدفه الكبير وهو الوصول إلى الله سبحانه وتعالى ونيل رضوانه.
" الافتخار من صغر الأقدار" ٣.
كثير الفخر عنده عقدة الشعور بالنقص، وهذا الافتخار المستمر على لسانه إنما يترشّح عن إحساس بالنقص، ويمثّل حالة تعويض نفسي عن ذلك الشعور، والذين يكتنزون معنى إنسانيا كبيرا، ويحققون انتصارات هائلة على مستوى نفوسهم وإرادتهم الخيرة، وأرواحهم الطاهرة لايجدون حاجة للفخر أبدا، وهم في ظل الشعور بالذلة بين يدي الله عز وجل وهو سر كل العزة يستحون أن يفخروا، ويهربون من الفخر.
" إنّ لإبليس كحلًا ولعوقاً وسَعوطاً ٤، فكحله النعاس، ولعوقه الكذب، وسعوطه الفخر" ٥.
وهو يكحل عُيون أتباع له كثيرين بالنعاس ليعطّل حركتهم الإيجابية في الحياة، ويحوّل حياتهم إلى حياة فراغ لتنصرف الساعات والأيام والسنون وهم في خمول، وكأنهم ليسوا في الحياة من حيث عدم الإنتاج وعدم إقامة الصالح من الأوضاع في هذه الحياة.
ولعوقه الكذب، وهو يلعق النفوس التابعة له الكذبَ والوهم والأخيلة والتصورات البعيدة عن الحقيقة.
وسعوطه الفخر، فيصب الشعور بالفخر في نفوس أولئك صبّاً، ويصب سمّاً روحيّاً في نفوس أصحابه وأتباعه لقتلها، كما يصب الطبيب الدواء لشفاء المريض.