محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥٠ - الخطبة الأولى
فالحديث يعطينا بأن لإبليس وسائله القادرة على الإغراء، القادرة على الإلهاء، القادرة على الاستقطاب، ولكن لا يعني ذلك أن الإنسان فاقد لإرادته أمام محاولات الشيطان، محاولات الإغواء، ومحاولات الإلهاء. يبقى الإنسان دائما متوفرا على الإرادة التي تمثّل أساس مسؤوليته، ويبقى الإنسان دائما قادرا على مواجهة الشيطان من خلال هذه الإرادة، إلا أن يسعى بقدمه إلى إضعافها إضعافاً شديداً بحيث تسقط فاعليتها، وهذا أمر تتحمله مسؤوليته كذلك.
" (كان من دعاء عليّ بن الحسين عليهم السّلام في مكارم الأخلاق) ... وهب لي معالي الأخلاق واعصمني من الفخر" ٦.
فإنّه مع الفخر تكون حياتي جاهلية، ويكون قلبي بعيدا عن الله عز وجل، وتكون ذاتي هي محور اهتمامي في نسيان عميق لله تبارك وتعالى، وحياة تقوم على البعد من ذكر الله، وعلى البعد من خشية الله تبارك وتعالى لابد أن تكون حياة ضالّة، وحياة ساقطة.
" من صنع شيئاً للمفاخرة حشره الله يوم القيامة أسود" ٧.
من أي منطلق نفاخر؟ بأي دافع نفاخر؟ بأي هدف نفاخر؟ نريد أن نظهر، نريد أن نكون مركز نظر، نريد أن نكتسب في الناس رفعة وشموخا ولو وهميا، في قبال كل ذلك ولتتحطّم كل هذه الأماني الكاذبة، ويشهد الإنسان أن ذلك منه كان ركضاً وراء السراب يُحشر يوم القيامة أسود، وسواده هنا علامة تسافله، وعلامة سوء نفسه، وعلامة سقوطه وخسارة ظهوره يوم القيامة، فبدل أن يكون في الملأ الشريف، وفي الملأ المقدّر، وفي الملأ الذي يحتل منزلة عند الله سبحانه وتعالى، وعند شرفاء الناس تراه وقد فاخر بعمله في الدنيا، وصنع الخير للمفاخرة فيها مع سقطة الناس وسفلتهم الناس في الآخرة. والخير الذي فعله في الدّنيا مفاخرة قد يكون مما يكلّف الكثير من التضحيات، يستنزف كثيرا من الأوقات، يستقطب كثيرا من الأنظار، يحقق للناس مكاسب، ولكنَّ فاعله إنما انطلق في كل ذلك لا