محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٦٧ - الخطبة الأولى
وإكبارها، وإعظامها، وانقطاعها لربها معطّل أو قاطع، هي الذات الرابحة القوية الغنية السعيدة التي لا يضرها ما فاتها من زينة هذه الحياة، ولا ما اجتمع لها منها إذا حدث.
وقد يضر ما اجتمع من الدنيا بيد الإنسان هذا الإنسان أكثر مما فاته من زينتها.
وعن علي عليه السلام:" طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه ولم يحزن صدره بما أعطي غيره" ٥.
وإخلاص العبادة والدعاء من العبد للرب إنما يكون بامتلاء نفسه وعيا وشعورا وإيمانا عميقا راسخا بهذه القضية؛ قضية أن لا حول ولا قوة لأحد إلا بالله، وأنه لا خير لشيء، ولا ضرّ إلا بإذنه، وأن كل شيء بإرادته لا بإرادة من سواه.
لو توفّر قلب على هذه القضية واحتضنها تمام الاحتضان لكان له الإخلاص.
وما تراه عين العبد هو زينة مغرية من زينة الحياة الدنيا، وجمال أخّاد، ومغريات فاتنة، ومشاهد بذخ وترف، كما تقع على مشاهد خراب ودمار، وفقر ومسكنة، وكل ذلك لا يقف قلب العاقل المخلص لله عنده مصروفا به عن عظمة وفاعلية وعدل وحاكمية وقدرة ورحمة وحكمة وجلال وجمال ربّه.
وتسمع إذن هذا العاقل المخلص ما تسمع من ثناء وذم، ومن حقٍّ في شأنها وباطل، وما يؤلم ويحزن، ويربح ويتعب، ولكن شيئا من ذلك مهما عظم لا ينال من انشداد هذا العبد العاقل إلى ربه، واشتغاله بذكره وتوجهه إليه، والتذاذه بعبوديته له شيئا.
وليُعطَ الغير ما يُعطى من مال، ولد، سلطان، جاه وشهرة، أنصار ومعجبين، كلما يمكن أن يتصور أنه خير، ربح، انتصار في هذه الحياة مما لا يُعطاه العاقل المخلص فإنه لن يدخل بشيء من حزن على نفسه المستغنية بالله، المأخوذة بجلاله وجماله، المشغولة بطلب رضوانه.
فهل أقوى من هذه النفس أو أغنى أو أسمى أو أسعد؟!