محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٩٤ - الخطبة الأولى
وثاني ما يجب أن نعرفه في مجال النفس، ونشدِّد على معرفته لنبني إرادتنا ونصوغ مشاعرنا ومواقفنا في ضوئه هو أنه إذا كان في حياتنا فعلًا روحيٌّ ومادي على مستوى سلوكنا وأوضاعنا ومشاعرنا هل ما ينبغي فعله لمصلحتنا أن نلغي أحد هذين البعدين أو نهمله تماماً على تقدير إمكان هذا الأمر، أو أن نسخِّر حياة الروح لحياة البدن، ونتخذها وسيلة من وسائلها لو تأتّى لنا ذلك، أو نسخّر حياة البدن لحياة الروح، ونرقى بها في اتجاهها.
ومنهج الله عزّ وجل الذي جاء به أنبياؤه ورسله للناس دعوةٌ صريحة لنشاط حياة البدن، وتطويرها، والاستجابة لحاجاتها ومقتضياتها لكن في محاولة جادة من الإنسان لتكييف حياة بدنه رغم تطويرها حسب متطلبات حياة الروح ومصلحتها، وأن يرقى هذا المخلوق الذي فضّله خالقه العظيم على كثير من خلقه بحياة بدنه بما يجعلها في مسار حياة الروح وتكاملها، وأن يتخذ أرقى مستوى ممكن له من حياة الروح هدفا، ومن أنسب مستوى لحياة البدن وسيلة لذلك الهدف فيجمع بين الإثنين بهذه الطريقة المعيَّنة.
والإنسان لا يخطئ النظر إلى ما عليه وجوده من بعد مادي يتمثّل في مادّة جسمه المتطورة عن التراب والتي تشيع عناصره فيها، وفي بنية مادية مرئية ومحسوسة هي هيكله الخاص وتركيبته المألوفة، وفي حاجات أكل وشرب وملبس، وتنفس، وإفراز، ومسكن، وتزاوج جنسي وما شابه أو قارب ذلك.
وهذا البدن وحتى الروح التي يحيا بها، وتمثّل سرّ حركته ونموّه واستمراره، لا تكفي لأن تكون منشأ لأفكار ومشاعر وطموحات وأهداف وأشواق وقيم وخواطر عالية تزخر بها نفس الإنسان، وتتحرك في عقله ووجدانه خارج دائرة المادة وعواملها، وحاجات الجسد وقضاياه، وما يتصل بالحفاظ عليه وبقائه.
إذاً لابد أن نكون وجوداً فوق وجود البدن، وروحاً أبعد من الروح الحيوانية، وحياة أسمى من حياة تنمو بها المادة وتتحرك حركتها الموضعية أو الانتقالية فحسب.