محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٠ - الخطبة الثانية
لله تبارك وتعالى في عباده رحمتان وهدايتان: رحمة وهداية تكوينية، ورحمة وهداية تشريعيَّة. الهداية الأولى تعمّ كل الممكنات التي تخرجها القدرة الإلهية من ظلمة العدم إلى نور الوجود وترعاها. والهداية الثانية تخص من كان في معرض التكليف من الخلق.
ويوم المبعث النبوي الشريف هو يوم تنزُّل الهداية التشريعية الكبرى التي اكتملت بها الهدايات الإلهية من هذا النوع مما سبق تنزّله قبل خاتمة الرسالات.
والأخذ بهداية التشريع، والالتزام بمنهج الدين القويم في شؤون الحياة تقرأ عنه في الكتاب الكريم أنه شرط في تدفّق المزيد من الرحمة التكوينيّة، وإفاضة الكثير من البركات السماوية على مجتمعات الناس، وأن الانفصال عن منهج الله سبحانه لهذه الحياة يصيبها بالضيق والتأزّم والبؤس والشحّ والشقاء:
وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ٢. فإما طاعة معها صحة الأوضاع، وإما معصية ومعها تردّي الأوضاع.
فالدين القويم والشريعة الغرّاء لهما دوران مترابطان: الأول: إعداد الإنسان في هذه الدورة من وجوده التي يعيشها على ظهر الأرض لأعلى المنازل الكريمة، والرتب الحميدة في الآخرة عن طريق التربية الخاصة والعامة وتهيئة الأجواء والمناخات المعنوية المساعدة التي تبلغ بإنسانيته على خطّ ربّه سبحانه إلى أسمى مراقيها وأرفع درجاتها.
والثاني: هو خلق أوضاع حياتية صالحة ومتقدمة على مختلف المستويات لتشكل البيئة المناسبة لتوفر الإنسان على ما يمكن له من سعادة على الأرض، وتجنّبه الهزّات العنيفة التي