محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٨٣ - الخطبة الأولى
أوصيكم عباد الله ونفسي التي تغشُّني بتقوى الله طلباً للنجاة من غضبه، ونيلًا لرضوانه إذ لا منقذَ لمن غضب الله عليه، ولا ضارَّ لمن رضيَ عنه، وقد خرج من السُّوء كلِّه من قُبِل لديه.
والتقوى شعور كريم يملأ النّفسَ، وربما كان مزيجاً من خوفٍ من قدرة الله وعلمه وعدله، ومن رجاءٍ في كرمه وسعة فضله وفيضه، ومن شُكرٍ لجزيل نعمائه، ودائم عطائه، ومن حبّ جلاله وجماله وكماله والانشداد إليه .. مزيجاً من خوف مرارة العقوبة، وخسارة العطاء، وألم التقصير، ومن حرمان ذكر، وطردٍ من مجلس أنس، وفقد مشاهدة بها كل الكرامة، وكل السمو، وفيها أطهر لذّة، وأرقى وأنفع نعيم.
ولو قام في النفس بُعْدٌ واحد من أبعاد هذا المزيج فضلًا عن أن تقوم فيها هذه الأبعاد مجتمعة لأخذ بها إلى كل جميل، وصرفها عن كل قبيح، وقطع بها أشواطاً بعيدةً إلى الكمال.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. واجعل حياتنا بِذلة في طاعتك، ومسعانا إليك، وجائزتنا رضاك، وخاتمتنا شهادة كريمة في سبيلك، ومأوانا مع صفوة أنبيائك ورسلك وأوليائك يا أكرم الأكرمين، وأرحم الأرحمين.
أما بعد فالحديث في موضوع الذلّة على ضوء نصوص جاءت في هذا الموضوع:
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ١.
وهذه الذلّة في التعامل مع المؤمنين ليست ذلّة انحطاط، وإنما هي ذلّة لين ورحمة وعطف وتواضع، ولذلك جاء قوله تعالى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ولم يأتِ" أذلة للمؤمنين"، فالمؤمن دائما يعيش العزّة؛ عزّة الإيمان، وعزّة الكرامة بالصلة بالله تبارك وتعالى، وليس من مؤمن بموقع العبد ولو للمؤمن الآخر، ولكنّه يتعامل معه من موقع الإيمان، ومن موقع العطف