محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٦١ - الخطبة الأولى
القوة والغنى والجمال والعطاء لا تثبت ولا تستقر، ولا تنجو من الاهتزاز، ولا يَأمن صاحبها من أن يراها كاذبة وسراباً إلَّا بأن تكون الرؤية للقوة والغنى والجمال الأول المطلق، والعطاء الإلهي الكريم، وأن تكون الآمال قائمة عليها.
وإنّنا نحن النَّاسَ لنعاني دائماً من درجة وأخرى من عمى البصيرة، وإلَّا لرأينا الله دائماً بقلوبنا في كل الآنات، وفي كل الأمور من بين يدي كل شيء ومن خلفه محيطاً به، لا معدل له عن قدرته، ولا مخرج له من قبضته، ولا تفلّت له عن مشيئته، ولا قيام له إلا بإذنه، ولم تحجبه عنّا الأسباب فتنالَ من خوفنا وأملنا ورجائنا وشكرنا وشوقنا في ذاتها منظوراً إليها بما هي عليه من قوة أو جمال أو عطاء نظرة استقلال، ولكان حمدنا، وشكرنا، وطاعتنا، وخوفنا، وشوقنا كلّه أصلًا إليه، ولم نجرؤ عل ارتكاب معصية من معاصيه، ولا على التخلّف عن طاعة من طاعته، وإذا شكرنا أحداً أو رجوناه أو خفناه أو أطعناه فإنما يكون ذلك تبعاً لشكره ورجائه وخوفه وطاعته بما هو المصدر الأوّل لكل شيء وأمر، ونيلِ خير، وكفاية شر.
نعم لولا عمانا لما انحدرنا لحظة عن خطّ حبِّ الله وخشيته وطاعته.
والذين لا يُعمي أبصارَهم جمال المخلوقين، وقوُّتهم وغناهم، وإرادتهم، وفاعليتهم، وإحسانهم، وعطاؤهم وهو المحدود المعار عن جمال الخالق وقوته، وغناه، وإرادتِه، وفاعليته، وإحسانه، وعطائه وهو الحقّ المطلق الدائم إنما هم قلّة في النّاس وهم المعصومون عليهم السلام.