محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٦٤ - الخطبة الأولى
في الدّنيا أمواج فتن، وكلّ أمواج الفتن على طريق الجاهلية، وفي الدّنيا سلامة وأمان وانسجام ووئام، وكل ذلك إنما هو على طريق الله تبارك وتعالى. فما أحرى بالعاقل أن يجتنب طريقاً يرسمه الشيطان، وأن يلتزم طريقاً يدلّ عليه الرحمن تبارك وتعالى.
وعلى رأس كل واحد منّا تاجٌ كاذب، تاجٌ ادّعائي وزائف يتجاوز به حدّ عبوديته، وينسيه مملوكيته لله تبارك وتعالى ألا وهو تاج المفاخرة، والعبد ليس من شأنه أن يفاخر، العبد ليس على شيء في ذاته، العبد كلّه فقر، وكلّه فاقة، وأين الفخر والتباهي من موقع الفاقة والفقر؟! فيبقى الفخر عند صاحبه اشتغالًا بالوهم، واشتغالًا بالخيال، والخيال لا يصل بصاحبه إلى حقّ ولا خير.
" ما لابن آدم والفخر!: أوّله نطفة، وآخره جيفة، لا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفه" ٢ الكلمة عن أمير المؤمنين عليه السلام.
يعرِف الإنسان أنّ أوّله قذارة من القذارات، ويمكن لتلك القذارة، وذلك الشيء الضئيل أن يضيع في جملةٍ كبيرة من القذارات، وأن لا يكون له ذكر على الإطلاق؛ فمن أين يكون له ذكر وقد انصرفت نطفته الأولى في شبكة مجارٍ مائية قذرة؟! ألا يمكن أن يكون من قدر الإنسان في بدايته أن يصير إلى ذلك المصار؟
أما آخره فهو الجيفة التي تنبعث منها الروائح الكريهة المنفّرة، ولو بقي على وجه الأرض وزاد تعفّناً لكان مفسدة للحياة.
هذا هو الجسد الذي نبنيه بأموالنا، وبجهودنا، وهذا الذي كنّا نتنافس على مادّته بالأمس لنراها شيئاً تنفر منه النفوس في المزابل.
اللقمة بالأمس محلّ صراع، واللقمة اليوم أو باقيها مما يصير إلى المزبلة تنفر منها النفوس، وكلّ ما تبنيه المادة من جسم الإنسان الذي يعزُّ عليه إنما يصير إلى تلك الجيفة، فهل لي أن أفخر وأنا من تلك البداية، وإلى تلك النهاية؟!