محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٩ - الخطبة الأولى
الوجدان الطاهر الذي ينكشف له من عظمة الله ما ينكشف، ويظهر له من فضل الله ما يظهر، لابد أن يعيش حالة العبودية الصادقة، وأن يُعظّم الله، ولابد أن تغمره حالة الحياء من الله.
وذكر المعرفة التسليم والرّضا. فمن عرف من شأن الله الشيء المناسب لم يقف أمام أيّ قدر من قدر الله، وأمام أي قضاء من قضاء الله بالتساؤل والمناقشة، ولو استعصت عليه فلسفة الأمور لم يبقَ مضطرباً. إن ذلك القلب بما له من شأن معرفي يجعله يُسلّم الأمر لله تبارك وتعالى ويرضى بكل ما يجري به قضاؤه وقدره. إنَّ هذا الإنسان بهذه المعرفة ليرى من نفسه أمام الله سبحانه أنّه أقلّ من النملة، ومن البعوضة أمام الإنسان، بل لايرى من نفسه أنه شيء علماً ومعرفة وقدرة ورحمة وحكمة وتقديراً وتدبيراً أمام الكامل المطلق والربّ المتعال.
وذكر السر الرؤية واللقاء: أي سر هو ذاك؟ لا أدري، ولكن يظهر منه أنه أبعد بُعد، وأشرف مرتبة، وأعمق عمق، وأرقى مرقاة في الذّات الإنسانية، وذلك البعد البعيد، والعمق العميق، هو أقرب ما في الإنسان إلى المعرفة الراقية بالله سبحانه وتعالى؛ بحيث يعيش أعلى درجة من المعرفة، وهي رؤية باطنية، ولقاء باطني من الروح لباريها تبارك وتعالى، وإن كان ذلك اللقاء إنما هو بحسبها لابحسب الله تبارك وتعالى الذي لا تدركه الأبصار، ولا تحدّه الخواطر، ولا يصل إليه وهم، وتبقى عظمته تبارك وتعالى خارج كل التصورات، وكل التقديرات، وكل ما خطر على قلب بشر من عظمة وجلال وجمال وكمال.
وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ وَ لا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ٣.
هناك ذكر علني، وذكر خفيّ تعيشه المشاعر، ذكرٌ تبقى به المشاعر ساجدة لله دائماً وأبداً، وتبقى كلّ الخواطر من خلاله تعيش هيبة الله تبارك وتعالى، وتبقى النفس تعيش دائماً