محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٨٢ - الخطبة الأولى
وعن أمير المؤمنين عليه السلام:" سبب الإخلاص اليقين"، وأيضاً" الإخْلاصُ ثَمَرَةُ اليَقينِ" ١. ومنشأ اليقين التدبّر، والعبادة، ومغالبة الهوى مما يجعل القلب واعيا، نظيفا طاهرا مبصرا، مهتدياً زكيّاً، مستقبلا للفيوضات الإلهية الهادية.
مداومة العبادة، الإقامة على التدبّر والتفكّر، الدخول مع الشيطان والنفس في مواجهة ومكابرة كل ذلك يعطي هذا النوع من القلب.
ولا يفسد إخلاص العبد، ويدخل عمله الشرك بالله عز وجل والرياء للناس إلا لفساد في رؤيته وشعوره، ولذهابه أن لغير الله عز وجل من الأمر شيئا ولو غفلة. انظر أنه لو صلى أحدنا وحده منفردا بعيدا عن أنظار كل الناس عالما أن ليس أحدٌ منهم يراه، فهل يبتلي بآفة الرياء لوجود الحجر والشجر، وحتى الطير والحيوان؟ والجواب الواضح أنه لا يقع في هذا، ولماذا؟ لأنه لا يتوقع من هذه الموجودات جزاءاً بالإحسان، أو الإساءة، أجاد صلاته أو لم يجدها، ولو كان أحدنا لا يرى لمن حوله من الناس وهو في صلاته قدرة على الإعطاء والمنع، والنفع والضر، والرفع والخفض، والإعلاء والإسقاط، وكان لا يرى في نفسه لإعجاب أولئك الناس بصلاته، أو استسخافهم أي قيمة، لأن النافع والضار عنده هو الله وحده، ولأنه هو الكبير بالحق الذي يحقّ الاهتمام برضاه وغضبه، وأنّ حكمه بالحسن والقبح هو الصادق لا غيره، لما اختلف حال المصلّي في صلاته والناس معه عنه وهو يصلّي وليس من الناس من يراه.
صلّى والملايين تراه، أو صلّى وليس معه إلا شجر أو حجر، يستوي الأمران عنده، إذ شأن الناس في نظره لا يختلف عن الجماد في عدم النفع والضر، والرفع والخفض، والإعزاز والإذلال من دون إذن الله الذي لا إله غيره.
وليقس أحدنا يقينه وإخلاصه في ضوء هذا المثال.