محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٧٦ - الخطبة الأولى
أما بعد فإنّ الموت مكتوب على الإنسان ولا مفرّ له منه، فلم يجعله الله لأمرِ غيره وإرادته، ولكلّ أجل كتاب، ولا مؤخّر ولا مقدّم لما كتب الله العلي القدير.
وربما طال العمر بإنسان ليسعد ويتدارك ما فات، ويؤوب إلى الله بعد معصية وجهالة، وربما امتدّ بآخر عمره ليشقى بأن ينقلب على عقبيه، ويدخل باب المعصية، ويوغل فيها بعدما قضاه في طاعة ربّه من سنين حتّى ليتمنّى حين يرى الموت والعذاب أنّه لم يطُل به الأجل، ولم يبق تلك الأيام. وإنّه فإنه وإن كان من طبع الإنسان حبّ هذه الحياة والتعمير فيها إلا أن الربح ليس في البقاء ذاته والذي لو كانت فيه انحدارة دينه وإنسانيته لكان وبالًا عليه، وإنما يحسن البقاء، ويكون خيراً للعبد لو كان في ذلك حسن عاقبته، وزيادة قدره عند الله، ورفعة مكانته.
ومن هنا جاء دعاء الإمام السجّاد عليه السلام الذي يلفت النظر إلى هذه الحقيقة وأنّ طول العمر إذا كان بُذلة في طاعة الشيطان فعلى الإنسان أن يتمنّى الرحيل العاجل إلى الله وهو على إيمانه، وصدق عبوديته له.
ويحدث أن يتهدد الناس بعضهم بعضاً بالموت، ولا يدري من يتهدد الآخر بأنّ أي الأجلين عند الله أسرع، وأن موت المهدَّد سابق على موت المهدِّد أم العكس. قد يتأخر هذا عن ذاك بقليل أو بكثير، وقد يعاجل الموت هذا أو يعاجل ذاك، لا يدري المهدِّد والمهدَّد بأي سبب يكون موته، وقد تسبق يد القدر إلى المهدَّد قبل موعد يحدِّده المهدِّد، وقد يكون الموت أسبق إلى من يطلق التهديد.
وهل للموت أسباب محصورة بيد الناس؟! ربّما سبق مكروه إلى المهدَّد قبل أن تمتد له يد المهدِّد، وربما سبق هذا المكروه إلى المهدِّد قبل المهدَّد.