محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٥٧ - الخطبة الأولى
وكل شيء بيده، ولا يحول شيء بينه وبين ما يريد، وهو مسبِّب الأسباب، ومالِكُها، ومفيضُ سببيّتَها، وإليه يرجع الأمر كلّه.
والتوبة من العبد إلى الله- وهي بتوفيقه- رجوع إليه: بالندم على التفريط، والإقلاع عن الذنب، وطلب العفو، وعزم البقاء على الطاعة، والنأي عن المعصية، وسؤال الهدى والإغاثة، ودوام التقويم، والتسديد، والتوفيق، والتثبيت على خطِّ التكليف، وإخلاص النيّة، وصدق العبودية، ورفع الهمّة، وعلوّ القصدِ، والطمعِ في مزيد من القرب، ووافر الكرامة.
وتوبة الربّ على العبد قبول أوبته إليه، ورجوعِه عن غيّه، وضمُّه إلى رحمته، وشمولُه بعفوه، ومغفرة ذنبه، وستر عيبه، ولطفُه به، ورفع منزلته عنده، وتقريبُه إليه، وتحبيبُ طاعته له في نفسه، وتقويتُه على الطاعة، وتهيئة أسبابها له، وتسهيل أمرها عليه، وتكريهُ المعصية في نفسه، وإبطالُ وساوس النفس، وحيل الشيطان دون أن تنال منه، وهدايته للحق، وتصبيره عليه، وإحداث الشوقِ إلى الله في نفسه، والاستغناءِ به عمن سواه. كل ذلك يفعله الله سبحانه وتعالى في توبته على عبده.
والتوبة من الله على العبد بهذا المعنى هي مطلوب قوله عليه السلام" فَأَحْيِه بِتَوْبَة مِنْكَ يا أَمَلِي وَبُغْيَتِي، وَيا سُؤْلِي وَمُنْيَتِي" في ضوء ما جاء من قوله عليه السلام بعد ذلك في السياق نفسه" فَوَ عِزَّتِكَ ما أَجِدُ لِذُنُوبِي سِواكَ غافِراً، وَلا أَرى لِكَسْرِي غَيْرَكَ جابِراً، وَقَدْ خَضَعْتُ بِالإنابَةِ إلَيْكَ وَعَنَوْتُ بِالاسْتِكانَةِ لَدَيْكَ" الذي يفيد تلبُّس العبد بالتوبة إلى الرب،