محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٦٥ - الخطبة الأولى
ثمّ تعال إليّ أنا العبد الذليل بين يدي الله عزّ وجلّ: هل أملك من رزقي شيئاً؟ هل خلقتُ شيئاً مما أقتات به؟ وهل شيء مما أقتات به خلقه، بقاؤه متوقّف عليّ؟ هل أملك أن أضيف حبّة قمح في هذا العالم؟! ومَنْ مِنَ النّاس ليس مثلي في كل ذلك؟! كلنا فقراء.
وهل لي أن أفخر وأنا عاجز عن أن أوجد لقمة عيشي، وأن أملك نسمة الهواء الذي أحتاج إليه، وشربة الماء التي تقوم عليها حياتي؟ لا، ولكن يدخلني الغرور، وتمرّ بي خواطر الفخر الكاذب، وما أنا في ذلك كلّه إلا واهم وفي سبات.
" ولا يدفع حتفه" موتَه ومنيَّته. فأمرئ في الدنيا مهما كان، ومن كان؛ ذلك هو أوّله، وذلك هو آخره، ولا يرزق نفسه، ولا يملك أن يقف أمام قدر الموت طرفة عين، من أين له أن يفخر؟
إذا كنّا موضوعيين، إذا كنّا عقلاء، إذا كنّا نملك عقلًا ووعياً وبصيرة، فلن تمر بنا لحظة فخر، فلحظة الفخر في حياتنا لحظة نسيان للحقيقة، نسيان للقَدْر، نسيان لعبودية العبد، نسيان لربوبية الرب، ومن نسي كل ذلك فحياته سراب.
" عجباً للمختال الفخور وإنّما خلق من نطفة ثمّ يعود جيفة وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يصنع به" ٣ عن الباقر عليه السلام.
ليس بيدي قرار حياة، ولا قرار صحة، ولا قرار غنى، ولا قرار سرور، ولا قرار أي خير من خيري؛ فما أنا؟ ألست الشيء الزهيد، الشيء الحقير إذا نظرتُ إليّ في ذاتي؟ فكيف أفخر؟ إن لحظة الفخر لحظة جنون، ولحظة تيهٍ وضياع وسراب.
" عجباً للمختال الفخور" الذي كان بالأمس نطفة وهو أمس قريب مهما كان عمر صاحبه اليوم. كم هي الفاصلة بين هذا الإنسان المفكّر، الشاعر، المهندس، السياسي، الطيّار، الطبيب، المبدع، المصلح أو المثير للمشكلات، إلخ، كم بين كل هذا وبين يوم أن كان أحدنا نطفة؟! قد تكون الفاصلة عشرين سنة فقط، أربعين سنة فقط، فلنرجع للبداية، ولنفكّر