محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٩٢ - الخطبة الأولى
الهوى المنفصل عن العقل والحكمة والدين ليس معناه إلا أنه خط آخر في مقابل خطّ الحقّ والعدل والإنصاف والحكمة والدين. وطول الأمل الذي يُنسي الآخرة هو أمل إنسان في أن تكون دنياه بلا نهاية بحيث يكون فكره وشعوره واهتماماته متركّزة على الدنيا دون غيرها؛ وبحيث تكبر الدنيا في نظره ويريه الشيطان أن دنياه باقية، وأن خير دنياه خالد، وأنه يمكن أن يكتسب الخلود مما في يده من أشياء دنيا. وهو أمل قاتل يفصل عن الحقائق الكبرى، عن الآخرة، ويصطدم في نهايته الإنسان بصخرة الواقع ليجد نفسه أنه قد أخفق نهائيا، وخسر أعظم خسارة، وجنى على نفسه جناية كبرى نهائيا يوم أن سار على خطّ الأمل الكاذب.
هناك أمل صادق، وهناك أمل كاذب، والكاذب لا يمكن أن يعطي نتائج إيجابيَّة ضخمة كبيرة لا صغيرة واقعية، وأمل الدنيا كاذب الآخرة، وأما الأمل الصادق فهو ليس إلا في الله تبارك وتعالى، وفي الآخرة.
فيوم أن يتخذ الإنسان من دنياه في رؤيته غاية الغايات، وأن الدنيا ستبقى فسيكتشف يوما أنه واهم، وأن الواقع بعيد عنه وعن تصوّراته وأوهامه كل البعد.
" فُضِّل العقل على الهوى، لأن العقل يملّكك الزمان، والهوى يستعبدك للزمان" ٦.
يملّكك الزمان أي أشياء الزمان، ويستعبدك للزمان أي لأشياء الزمان. الشيء الصغير في الزمان يستعبد من ركب مركب الهوى، لا أريد أن أضرب أمثلة، وربما الأمثلة الكثيرة حاضرة في ذهنكم الشريف، ولكنّه مثال واحد: فتاة في واقعها كريهة، لكن نظرة خائنة يمكن أن تريها لصاحب النظرة كبيرة، فتّانة، وأجمل فتاة فيبيع حياتها ركضا وراء تلك