محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩٥ - الخطبة الثانية
هذا النوع من الأنظمة يحاكم الناس وأوضاعهم استنادا إلى منطلقاته المتعارضة، ولا يَعدَمُ منطلقا من المنطلقات المتعددة لتثبيت الحجة على شعبه لأن كل المنطلقات، كل الأطروحات مفتوحة أمامه- كما يرى- على طريق هذا الاحتجاج: يحاكم العلماني على أساس الإسلام، والمؤمن بالإسلام على أساس العلمانية، ويرفع في وجه هذا شعار الحرية الشخصية، وفي وجه ذاك شعار التمسك بالدّين مثلًا، بينما لا يملك الشعب المحكوم لنظام من هذا الطراز أن يحاسبه على أساس من قاعدة منضبطة، فإن تحدثت معه عن الانفلات غير الأخلاقي مذكرا له بالإسلام قال لك هذه رجعية، وعقلية قديمة، وحالة انغلاق مزرية، وإذا أردت أن تحاسبه في السياسة على أساس ديموقراطي قال لك لنا ديننا وتقاليدنا وعاداتنا ولا نأخذ من الديموقراطية إلا ما وافق ذلك كلّه، فلا تعرف أن مثل هذا النظام رأسمالي أو اشتراكي أو إسلامي، ملكي وراثي منغلق أو ديموقراطي منفتح، هو أي شيء من هذه الأشياء أي طرح من هذه الطروحات إذا أراد أن يحجك، وهو الشيء الآخر بين كل الانتماءات والهويات حين تريد أن تحتج عليه. بشيء منها.
حقّاً إن هذا النوع من الأنظمة متلاعب بالشعوب، ومتعب لها، ومراوغ في تعامله معها، ولا يعطي بطبيعته فرصة للتفاهم لفقد الضابطة الواضحة المحددة التي يَرجع إليها في نمط حكمه للناس، والمدرسة التي ينتمي إليها.
هذا النوع من الأنظمة لابد له أن يحدد هويته وانتماءه المدرسي من ناحية سياسية وإلا كان لابد أن تسود العلاقة بينه وبين الشعوب التي يحكمها صفة الفوضى في غياب قاعدة محددة، ومدرسة معروفة للاحتكام في حالات الاختلاف.