محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٧٤ - الخطبة الأولى
ومن بعد العبودية لله هل تحب أن تكون حرّاً أو عبداً؟ والحرية ليست في أن تكون إرادة الإنسان ملغاة، وأن يكون محكوماً لشهوته. إن الحمار الهائج وراء أنثاه لا يمارس حريةً لإرادته وإنما هو عبد الغريزة، والذئب الفتّاك بفريسته لا يغنى في هذه الممارسة بحرية الإرادة إنما هو مغلوب لدافعه.
وكل محمول على كفّ عفريت من دوافعه المادية وغرائزه البهيمية لا يُعدّ حرّاً في النظر المُمعن وإنما هو عبد قنّ مسلوب الإرادة معطّل الاختيار بدرجة كبيرة ولو بسوء اختيار سابق.
والآن يأتي دور هذا السؤال: متى نقع في المعصية، ومتى نتوب منها؟
سلْ مُدْمِنَ الخمر، ومن شقَّ جبهته عظمُ جدار في زمن رسول الله صلَّى الله عليه وآله لرؤية حرام أذهلته، ومرتكب الفواحش، والمغتاب والنمام والسبّاب ومن تنطلق منهم كلمة السوء الضّارة لا يستطيعون أن يحبسوها وهي على طرف ألسنتهم. سلهم أيملكون موقفهم أم أن موقفهم عليهم مملوك؟ وسل الجاني بالقتل، وكلّ ذي معصية هل تأتي معصيته من تحكيم عقل، من وحي ضمير، من عرض للممارسة على القيم، عن موازنة دقيقة بين المصالح والمفاسد القريبة منها والبعيدة، من حالة تفكير هادئ، وتأمّل كاف، من تغليب إرادة على هوى، من دراسة لتجارب الآخرين، واستعراض كل النتائج والعواقب للمعصية، من نفس صامدة مقاوِمة، من تذكّر لنصح الله للعباد، لاستحضار ذكر الرب، من استحضار ذكر النفس وشرفها، من تذكرخداع الشيطان وعداوته لها، ومن تنبّه للنفس الأمارة بالسوء؟