محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٧٥ - الخطبة الأولى
إن مرتكب المعصية إذا صدقك القول ستعرف منه أن معصيته جاءت في حالة من الفوران العاطفي، الاندفاعة الجنونية للشهوة، انفلات الدوافع المادية، هيجان الغريزة، غليان الحقد، غياب الحكمة، غيبوبة الوعي، النظرة الآنية، نسيان الله سبحانه، الانفصال الشعوري عن القيم، عدم الالتفات إلى العقوبة الأخروية والدنيويّة من عقوبات جسدية ومعنوية كسقوط السمعة والشرف. والكلام عن مرتكبي المعاصي ممن يدين بالدين الذي يحرمها ٥، ويعترف بالقيم والموازين الأخلاقية، والحلال والحرام في حالته العادية التي لا يعاني فيها من الإثارة العنيفة، واستفزاز الدوافع المادية، والضغط الهائل الذي يقع تحت تأثيره. والواحد من هؤلاء العصاة لا يأتي معصيته بما هي خطوة على طريق الكمال والرقي والسمو والرفعة، وإنما يأتيها استجابة للدافع الشرس، وخضوعا لهيمنته.
ولو جئت للطاعة والتوبة لوجدتها تحتاج إلى قرار من عقل ودين يقدم التعب على الراحة، والهدف على اللذة، وإلى إرادة مقاومة كافية للتغلب على عوامل الاسترخاء والضعف والخمول والشهوة لإنجاح قرار العقل في عالم النفس والواقع. فهو قرار حرٌّ مقاوم هادف، واع، وقابل بالتضحية، قائم على بصيرة. وحتى الذي تكون طاعته في سبيل الله ويصل إلى حدّ العشق في الطاعة فإنه لا يفقد وعيه بقيمة الطاعة، وأن فيها كماله الذي هو أغلى شيء في نيران العقل والفطرة.
وإذا كانت المعصية من منشأ وضع نفسي انهزامي استسلامي، فإن التوبة إنما هي تمرد على هذا الوضع وخروج من حالة العبودية إلى حالة الحرية، ومن واقع الضعف والاستسلام والهزيمة إلى واقع القوة والمقاومة والنصر.