جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٤٣ - تحديد الدرهم
لكن قد يقال: إنّه و إن ثبت (١) إرادة البغلي من الدرهم (٢)- أي الوافي الذي وزنه درهم إسلامي و ثلث- إلّا أنّه لا يرفع الإجمال المقتضي للاقتصار على المتيقّن معه؛ إذ المفيد لرفع ذلك بيان سعته لا وزنه؛ لكون المدار عليها لا عليه (٣).
(١) من جميع ما ذكرت.
(٢) في النصّ و الفتوى.
(٣) كما صرّح به في كشف اللثام [١] و غيره، بل هو ظاهر كثير من الأصحاب حتى معاقد الإجماعات كإجماع المرتضى و المصنّف في المعتبر و العلّامة في المختلف [٢] و غيرهم، بل في اللوامع نفي الخلاف عنه بالخصوص ٣، و بذلك تتمّ دلالة الأخبار، و إن اطلق فيها العفو عن قدر الدرهم، و إن كان لولاه [الإجمال] لأمكن دعوى ظهورها في إرادة الوزن أو هو مع السعة. بل قد يؤيّده تعرّض كثير من الأصحاب لضبط الوزن هنا دون المساحة. لكن قد عرفت ظهور اتّفاق الأصحاب على إرادة السعة خاصّة، و الفرض أنّها غير معلومة؛ إذ لا دلالة في الوزن عليها مع اختلاف الأصحاب بالنسبة إلى ذلك، ففي السرائر ما سمعته من مشاهدته، و عن الحسن بن أبي عقيل ما تقدّم من اعتبار سعة الدينار، بل لا تعرّض في كلامه للدرهم. كما أنّ ما حكي عن أبي عليّ من التقدير بعقد الإبهام الأعلى [٤] لا تعرّض فيه أيضاً للبغلي و إن ذكر الدرهم مقدّراً سعته بما سمعت. و من هنا جعلهما في المعتبر مقابلين للقول بالدرهم البغلي، لكنّه قال: «و الكلّ متقارب، و التفسير الأوّل أشهر» [٥] مريداً به البغلي، و إن كان قد يرد عليه بأنّه ليس في كلامهما ما ينافي إرادة تقدير سعة البغلي. و قال في الروض بعد أن حكى تفسيري البغلي و ما شاهده ابن إدريس قال: «و شهادته في قدره مسموعة. و قدّر أيضاً بعقد الإبهام العليا، و هو قريب من أخمص الكفّ، و قدّر بعقدة الوسطى، و الظاهر أنّه لا تناقض بين هذه التقديرات؛ لجواز اختلاف أفراد الدرهم من الضارب الواحد كما هو الواقع، و إخبار كلّ واحد عن فرد رآه» ٦ انتهى. لكنّه- مع الإغضاء عمّا فيه- لا يرفع الإجمال باعتبار اختلاف أفراد المتواطئ إلّا أن يراد العفو عن أوسعها مثلًا، و لا قرينة عليه. و احتمال عدم الاحتياج إليها بإطلاق الدرهم الشامل لا يخلو من وجه، لكنّه قد يمنع أصل الدعوى بظهور الإحالة على إطلاق قدر الدرهم في عدم الاختلاف. مضافاً إلى ما عن ولده من الاعتراض عليه أيضاً بأنّه: «إنّما يتمّ لو لم يكن في التفسير اختلاف، و إلّا فمن الجائز استناد الاختلاف في التقدير إلى الاختلاف في التفسير» إلى أن قال: «و العجب من جماعة من الأصحاب أنّهم بعد اعترافهم بوقوع الاختلاف هنا، قالوا: إنّ شهادة ابن إدريس في قدره مسموعة، مريدين بذلك الاعتماد على التقدير الذي ذكره، و كيف يستقيم ذلك و فرض كون كلامه شهادة مقتض لتوقّف الحكم بمضمونها على التعدّد كما هو شأن الشهادة؟! و مع التنزّل فهو مبني على تفسيره» ٧. قلت: قد عرفت فيما سبق احتمال اتّحاد تفسيري البغلي و أنّ الاختلاف في وجه النسبة و التسمية خاصّة، لكنّه من المحتمل إنكار ابن دريد و من تبعه كون ما شاهده ابن إدريس من دراهم تلك القرية من البغلي المفسّر بما ذكر [من كونه بمقدار أخمص الراحة]، إلّا أنّ أصالة عدم التعدّد بعد إمكان الجمع بين التفسيرين [بأخمص الراحة و بعقد الإبهام العليا] ينفيه، فمن هنا كان الركون إلى تقدير ابن إدريس لا يخلو من قوّة.
[١] ١، ٣ كشف اللثام ١: ٤٢٩. اللوامع ١: ١٥١.
[٢] الانتصار: ٩٣. المعتبر ١: ٤٢٩. المختلف ١: ٤٧٧.
[٤] ٤، ٦ نقله في المعتبر ١: ٤٣٠. الروض ١: ٤٤٣.
[٥] ٥، ٧ المعتبر ١: ٤٣٠. المعالم ٢: ٦٠٧، ٦٠٨.