جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣١٩ - بول الدوابّ و روثها
..........
النجاسة منه التي لا ينافيها الأمر الاستحبابي بالغسل أو النضح عنه.
٧- و لما في بعضها من الفرق بين البول و الروث، فيغسل من الأوّل دون الثاني، و قد عرفت الإجماع المركّب على خلافه.
كما أنّه في [خبر] آخر بعد الأمر بالغسل من البول قال: «و أمّا الأرواث فهي أكبر من ذلك» [١]، و هو محتمل لما ينافي الأوّل بإرادة شدّة النجاسة، و لعدمه بإرادة أكبر من أن يغسل بعسر التحرّز عنه.
٨- إلى غير ذلك من الأمارات الكثيرة القاضية بعدم إرادة الوجوب من تلك الأوامر.
[و لأجل ما ذكر من الأمارات] أعرض الأصحاب عنها و رجّحوا غيرها عليها، فحملوا الأمر فيها على إرادة التخلّص عن الكراهة. و يشهد له خبر زرارة عن أحدهما (عليهما السلام): في أبوال الدواب تصيب الثوب فكرهه، فقلت: أ ليس لحومها حلالًا؟ قال:
«بلى، و لكن ليس ممّا جعله اللّٰه للأكل» [٢].
و فيه إشعار بإرادة مطلق مباح اللحم و إن لم يكن متعارفاً من قولهم: ما يؤكل لحمه. و احتمال حمل الكراهة فيه على الحرمة، و إرادة بيان عدم اندراجه [بول الدواب] في تلك الكلّية [أي: «كلّ شيء يؤكل لحمه فلا بأس ببوله»] بكون المراد منها المعدّ للأكل كما ترى، سيّما بعد استفاضة تلك الكلّية المذكورة بين الرواة مع فهمهم منها ما ذكرنا [من حلّية اللحم]، كما يرشد إليه استفهام زرارة الذي هو أحسن الرواة فهماً لكلامهم (عليهم السلام).
و لا ينافي الحمل على الكراهة موثّقة سماعة: سألته عن بول السنّور و الكلب و الحمار و الفرس؟ قال: «كأبوال الإنسان» [٣]؛ لاحتمالها شدّة الكراهة، أو إرادة التشبيه بالنسبة للثلاثة الاول [٤]؛ لوجود جهة الشبه، و هي عدم إباحة اللحم، أو التقية ممّن عرفت.
فاتّضح لك حينئذٍ من ذلك كلّه الكراهة المذكورة في كلام المصنّف و غيره، لكن كان عليه ذكر الأرواث أيضاً. كما أنّه اتّضح لك سقوط ما في الحدائق و إن بالغ في اختيار النجاسة في أبوال الثلاثة، ناقلًا لها عن الأردبيلي و الشيخ جواد الكاظمي في شرحه على الدروس و الشيخ سليمان البحراني [٥].
و ربّما مال إليها في المدارك و عن الدلائل و المفاتيح [٦]، بل عن بعضهم [٧] التصريح بنجاسة الأرواث أيضاً إن ثبت الإجماع على عدم الفصل، و إلّا فالأبوال خاصة.
و لقد أطنب المحدّث المذكور و شنّع على كبراء الأصحاب الذين هم أعلم منّا و منه في السنّة و الكتاب، وليت ذلك التشنيع كان لأمر دقيق أو لنفيس من التحقيق، بل إنّما هو لجمعه جملة من الأخبار الموجودة في التهذيب و الاستبصار الظاهرة ظهور الشمس في رابعة النهار التي لا يحتمل خفاؤها على أقصرهم باعاً و أقلّهم اطّلاعاً، و اللّٰه وليّ الحقّ، و العالم بحقائق الخلق.
[١] المصدر السابق: ٤٠٨- ٤٠٩، ح ٨.
[٢] المصدر السابق: ٤٠٨، ح ٧.
[٣] الوسائل ٣: ٤٠٦، ب ٨ من النجاسات، ح ٧.
[٤] الأولى أن يقال: «بالنسبة للأوّلين».
[٥] الحدائق ٥: ٢١.
[٦] المدارك ٢: ٣٠١- ٣٠٢. نقله في مفتاح الكرامة ١: ١٥٣. المفاتيح ١: ٦٥.
[٧] المفاتيح ١: ٦٥.