جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥١٣ - الأكل و الشرب في آنية الذهب و الفضّة
[و أمّا التطهير بآنية الذهب و الفضّة فقد يقال ببطلان الطهارة فيما لو انحصر الماء فيهما]، و هو لا يخلو من وجه، لكن ينبغي تقييده مع ذلك بما إذا لم يتمكّن من إفراغ ذلك الماء في آنية اخرى مثلًا، و إلّا كان كالمتمكن من الماء الآخر [فتصحّ الطهارة] (١). بل التحقيق: أنّ الأكل و الطهارة و نحوهما من الآنية استعمال لها بنفس أفعال الطهارة و بالمضغ و الازدراد لا مجرّد النقل (٢). نعم، قد يقال هو منه بالنسبة للشرب إذا كانت الآنية ممّا تستعمل بالشرب من دون نقل منها، فلو وضع حينئذٍ ما فيها في يده بقصد التفريغ و لو للشرب لم يكن ذلك الشرب استعمالًا لها فيه، فالواجب حينئذٍ ملاحظة العرف في صدق استعمالها في الشيء، فإنّه مختلف جدّاً باختلاف المستعمل فيه، بل و المستعمل- بالفتح- من الإبريق و القمقمة و نحوهما، بل و القصد أيضاً، فتأمّل (٣).
(١) بل في كشف اللثام التردّد في أصل حرمة الاغتراف منها للطهارة أو صبّ ما فيها على الأعضاء؛ لأنّهما من الإفراغ الذي لا دليل على حرمته [١]، و إن أمكن منعه عليه؛ ضرورة عدم اندراجه [الاغتراف من الآنية] في الإفراغ؛ إذ ليس هو كلّ نقل، كضرورة اندراجه في الاستعمال، بل لو كان قد قصد الإفراغ أيضاً لكن بالاستعمال الخاصّ لم ترتفع الحرمة، و إلّا لحلّ كثير من وجوه الانتفاع بل جميعها لذلك [لقصد الإفراغ].
(٢) كما يشهد لذلك ملاحظة العرف، و من هنا حكم العلّامتان في المنظومة و الكشف بفساد الطهارة [٢] [في آنية الذهب و الفضّة]، بل صرّح الثاني بعدم الفرق بين رمس العضو و الاغتسال مرتمساً و التناول باليد و الآلة.
فما يظهر من الأصحاب حينئذٍ أنّ المحرّم [في الأكل و الطهارة من آنية الذهب و الفضّة] نفس النقل و الانتزاع لا غير ليس في محلّه، فضلًا عمّا سمعته من كشف اللثام [من التردّد في أصل حرمة الاغتراف منها للطهارة أو صبّ ما فيها على الأعضاء؛ لأنّهما من الإفراغ الذي لا دليل على حرمته] الذي ينبغي العجب من صدوره من مثله؛ لما عرفت من وضوح الفرق عرفاً بين التفريغ و الاستعمال، و النقل هنا من الثاني [أي الاستعمال]؛ إذ مبنى استعماله [الإناء] في الوضوء و معناه عرفاً ذلك كالأكل؛ فإنّ النقل باليد من الإناء إلى المضغ ليس من التفريغ قطعاً.
(٣) و ما يقال: إنّه ليس في الأدلّة نهي عن الوضوء مثلًا في الآنية أو عن استعمالها في الوضوء، حتى يقال: إنّ المفهوم من الوضوء بها و استعمالها فيه هو تمام ذلك من الانتزاع و غيره، بل الموجود في الأدلّة النهي عن الآنية، و هو كما يحتمل إرادة الوضوء بها مثلًا و استعمالها فيه يحتمل إرادة النهي عن نفس نقل ما فيها و انتزاعه للوضوء أو غيره، فيكون المنهي عنه النقل حينئذٍ خاصّة.
يدفعه: أنّه و إن لم يكن ذلك في الأدلّة صريحاً لكنّه المفهوم المتبادر منها، خصوصاً بعد اشتمالها على النهي عن الأكل و الشرب فيها المتّفق بين الأصحاب على عدم الفرق بينهما و بين غيرهما في كيفيّة الحرمة؛ إذ قد سمعت معقد الإجماع المحكيّ بل الإجماعات على حرمة غير الأكل و الشرب، فإنّه كالصريح في اتّحادهما بذلك كما هو واضح. فيكون [النهي عن الآنية] حينئذٍ بمنزلة قوله: لا تأكل في الآنية، و لا تشرب فيها، و لا تتوضّأ فيها، و لا تغتسل فيها، و نحو ذلك. على أنّه يكفي في ثبوت المطلق [أي حرمة مطلق الاستعمال] نفس معقد الإجماع المذكور، و خصوصاً ما تقدّم من التذكرة، فيتّجه حينئذٍ التعليل بأنّ معنى استعمالها في الوضوء ذلك.
[١] كشف اللثام ١: ٤٩٤.
[٢] الدرّة النجفية: ٦٠- ٦١. كشف الغطاء ٢: ٣٩٣.