جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٩٠ - سنن التكفين
..........
بالنسبة للمستحبّات- غير منحصرة في الأخبار، و كفى بما سمعت من الإجماعات المنقولة التي يشهد لها التتبّع لكلمات الأصحاب إلّا من ندر- كالمحكيّ عن الحسن بن أبي عقيل [١] و من وافقه من متأخّري المتأخّرين كصاحبي المدارك و الذخيرة [٢]- دليلًا لمثله، على أنّه قد تشعر به بعض الأخبار المعتبرة أيضاً: ١- كقول أبي الحسن الأوّل (عليه السلام): «إنّي كفّنت أبي في ثوبين شطويين كان يحرم فيهما، و في قميص من قمصه، و عمامة كانت لعلي بن الحسين (عليهما السلام)، و في برد اشتريته بأربعين ديناراً لو كان اليوم لساوى أربعمائة دينار» [٣]. ٢، ٣- و قول الصادق (عليه السلام) في خبر حمران بن أعين على أحد الاحتمالين أو أظهرهما بعد أن سأله عن الكفن فقال: «يؤخذ خرقة فيشدّ بها سفله، و يضم فخذيه بها ليضم ما هناك و ما يصنع من القطن أفضل، ثمّ يكفّن بقميص و لفّافة و برد يجمع فيه الكفن» [٤]. ٤- كخبر يونس عنهم (عليهم السلام): «ابسط الحبرة بسطاً، ثمّ ابسط عليها الإزار، ثمّ ابسط القميص عليه» ٥.
٥- و قول الباقر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم: «يكفّن الرجل في ثلاثة أثواب، و المرأة إذا كانت عظيمة في خمسة: درع و منطق و خمار و لفّافتين» [٦]؛ لظهور اللفّافة فيما يشمل الجسد مع عدم القول بالفصل بين المرأة و الرجل بالنسبة إلى ذلك. و احتمال إرادة لفافة الثديين من إحدى اللفّافتين بعيد. و الأظهر ما قلناه، و عليه حينئذٍ تحمل الخمسة في خبر عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) في كم تكفّن المرأة؟ قال: «تكفّن في خمسة أثواب، أحدها الخمار» [٧].
و احتمال إرادة الخرقة من إحدى اللفّافتين، يدفعه- مع ما عرفت-: ما في خبر عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام): «أنّ العمامة و الخرقة لا بدّ منهما و ليستا من الكفن» ٨، فيعلم منه حينئذٍ أنّه عند الإطلاق في كلامهم ينصرف إلى غيرها. و يؤيّده ما في أكثر الأخبار من تثليث الكفن، و من المستبعد عدم الخرقة. و منه مع ما في حسن الحلبي السابق [٩] يعرف ما في التأييد المتقدّم بقوله (عليه السلام): «إلى أن يبلغ خمسة، فما زاد فمبتدع، و العمامة سنّة». حيث جعل العمامة و الخرقة تتمّة الخمسة؛ إذ قد عرفت أنّ العمامة ليست من الكفن، فلا ينصرف إليها الإطلاق، مضافاً إلى ظهور قوله (عليه السلام) فيه: «و العمامة سنّة» في إرادة الخمسة ما عداها، و لو لا القطع بكون الخرقة من جملتها في خصوص هذه الرواية لأمكن المناقشة فيها بما عرفت. و بذلك يتضح أنّ تأييد المطلوب بقوله (عليه السلام): «إلى أن يبلغ خمسة» أولى من التأييد به لخلافه. كما أنّه يتضح أيضاً بما عرفت من هذه الأخبار مع أنّ المحكيّ [١٠] عن العامّة عدم الزيادة على الثلاثة، حمل الصحيح المتقدّم المتضمّن للوصية على وجه آخر لا ينافي المطلوب. و يتضح أيضاً أنّه لا وجه للتأييد بما عرفته آنفاً من أنّه إضاعة مال؛ إذ لا وجه لذلك بعد ثبوت الاستحباب. لكن الإنصاف أنّ العمدة في إثبات الحكم عمل الأصحاب و إجماعاتهم، و إلّا فليس في الروايات ما يفيد تمام المطلوب من كلّ وجه؛ إذ أقصى ما تفيده تلك الأخبار بعد التسليم عدا خبر يونس أنّ المستحبّ زيادة لفّافة، و أمّا أنّها حبرة عبريّة و نحو ذلك فلا. اللّهم إلّا أن يتمّم بالإجماع المركّب، لكنّه محلّ منع.
[١] نقله في الذكرى ١: ٣٦٤.
[٢] المدارك ٢: ١٠١. الذخيرة: ٨٧.
[٣] الوسائل ٣: ١٠، ب ٢ من التكفين، ح ١٥.
[٤] ٤، ٥ الوسائل ٣: ٣٤، ٣٢، ب ١٤ من التكفين، ح ٥، ٣.
[٦] الوسائل ٣: ٨- ٩، ب ٢ من التكفين، ح ٩.
[٧] ٧، ٨ المصدر السابق: ١٢، ٩، ح ١٨، ١٢.
[٩] تقدّم في الصفحة السابقة.
[١٠] الخلاف ١: ٧٠٢.