جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٩٤ - غسل الميّت
..........
كما أنّه لا ينافيها [الإطلاقات] نحو قوله (عليه السلام): «أيّما مؤمن غسّل مؤمناً» [١]؛ إذ أقصاه- بعد اعتبار المفهوم، و كون لفظ المؤمن لا يشمل المخالف- عدم حصول ذلك الموظّف من الثواب على تغسيل غير المؤمن، و هو مسلّم لك، بل ستعرف أنّه مكروه على ما ذكر جماعة من الأصحاب.
و الأصل في الخلاف في المقام المفيد في المقنعة، حيث قال: «و لا يجوز لأحد من أهل الإيمان أن يغسّل مخالفاً للحق في الولاية، و لا يصلّي عليه، إلّا أن تدعوه ضرورة إلى ذلك من جهة التقيّة» [٢] انتهى، و ربّما ظهر من الشيخ في التهذيب موافقته عليه، حيث استدلّ عليه بأنّه كافر، و لا يجوز تغسيل الكافر بإجماع الامّة [٣]. كالمحكيّ عن المراسم و المهذب من أنّ المخالف لا يغسّل [٤].
و لعلّه الظاهر من السرائر [٥] أيضاً.
و اختاره جماعة من متأخّري المتأخّرين.
و جعل في الحدائق منشأ القولين هو الحكم بإسلامه و كفره، فلا إشكال في وجوب الغسل بناءً على الأوّل و إن لم يدلّ عليه دليل بالخصوص تمسّكاً بالعمومات، كما أنّه لا إشكال في عدمه بناء على الثاني، و من هنا أنكر على الذخيرة و المدارك [٦] حيث ظهر منهما التوقّف في الوجوب، بل حكما بعدمه مع البناء على الأوّل، حتى قال: إنّه إحداث قول ثالث، و لا وجه له [٧].
قلت: لعلّ وجهه [عدم وجوب تغسيل المخالف مع أنّه يحكم بإسلامه] هو:
١- إلحاق أحكامه بعد الموت بأحكامه في الآخرة؛ إذ لا إشكال في كونه كالكافر بالنسبة إليها و إن حكم بإسلامه و اجري عليه جميع أحكام الإسلام من الطهارة و احترام ماله و نفسه و غير ذلك في الدنيا، و لا تلازم بينهما.
٢- أو أنّ وجهه الشكّ في عمومات تشمل كلّ مسلم، فالأصل البراءة، بل قد يظهر من ملاحظة جملة منها إرادة المؤمن، لا أقل من عدم انصراف الإطلاق إليه، سيّما بعد ما ظهر من بعض الأخبار أنّ التغسيل احترام للميّت و تكرمة له، و لا يصلح له إلّا المؤمن. و من ذلك كلّه ظهر لك ما يمكن الاستدلال به للثاني، و لا ريب في ضعفه في جنب ما تقدّم؛ إذ هو [القول بالعدم]:
١- إمّا البناء على كفر المخالف، و هو معلوم الفساد؛ للأخبار [٨] المعتبرة المنجبرة بعمل الأصحاب، و بالسيرة القاطعة الدالّة على تحقّق الإسلام بالشهادتين، و أنّه الذي عليه جماعة الناس، و به تحقن الدماء و تنكح النساء و تحلّ المواريث و غير ذلك.
٢- و إمّا دعوى إلحاقه بالكافر في هذا الحال [أي الموت] و إن كان مسلماً قبله. و هو أضعف من سابقه؛ لخلوّه عن الدليل، بل قد عرفت قيامه على خلافه.
٣- و إمّا إنكار دليل يدلّ على وجوب تغسيل كلّ مسلم، و قد عرفت وجوده من العمومات و غيرها.
٤- و إمّا ما عساه يظهر من بعض الأخبار أنّ ذلك كرامة له و احترام، و لا احترام للمخالف.
[١] الوسائل ٢: ٤٩٤، ب ٧ من غسل الميّت، ح ١.
[٢] المقنعة: ٨٥.
[٣] التهذيب ١: ٣٣٥، ذيل الحديث ٩٨١.
[٤] المراسم: ٤٥. المهذّب ١: ٥٦.
[٥] السرائر ١: ٣٥٦.
[٦] الذخيرة: ٨٠. المدارك ٢: ٦٩.
[٧] الحدائق ٣: ٤٠٧.
[٨] انظر الكافي ٢: ٢٥.