جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣١٩ - حدّ النفاس
..........
و أيضاً فعدولهم عن التصريح بالجواب إلى نقل رواية أو ذكر حكاية ممّا يفوح منه رائحة التقيّة، كما لا يخفى على المتتبّع العارف بأساليب الكلام، إلى غير ذلك من المرجّحات الكثيرة لأخبار العادة على هذه ممّا يظهر لك بالتأمّل فيما ذكرناه سابقاً.
كما أنّه يظهر لك بالتأمّل فيه أيضاً ضعف ما ذكره العلّامة من التفصيل [بين ذات العادة و غيرها] إن لم نقل: إنّه خرق للإجماع المركّب، مضافاً إلى عدم الشاهد عليه، و اقتضائه حمل أخبار الثمانية عشر على الفرد النادر من المبتدأة المتنفّسة و المضطربة من دون إشعار في شيء من ذلك في السؤال و الجواب، بل مع التصريح في بعضها- كما سمعت- بأنّ ذلك حدّ جعله اللّٰه للنفساء يجمع مراتب الحيض، و أيضاً فإنّ أسماء بنت عميس تزوّجت بأبي بكر بعد موت جعفر بن أبي طالب كما قيل [١]، و كانت قد ولدت منه عدّة أولاد، و من المستبعد أن لا يكون لها في تلك المدّة كلّها عادة في الحيض، و مع ذلك فقد حكم (صلى الله عليه و آله و سلم) بالقعود ثمانية عشر يوماً من دون استفصال عن حالها مع شدّة ظهور قيام الاحتمال، و مثل ذلك لا يقصر عن التصريح بالحكم كما لا يخفى.
كلّ ذا مع إشعار ما تضمّن الاستظهار من أخبار العادة بكون أكثر الحيض عشرة مطلقاً زيادة على إشعار جميع أخبارها بكون النفاس كالحيض، كما هو الأصل عندهم بالنسبة إلى مشاركة الحائض لها في جميع أحكامها حتى أنّهم نقلوا الإجماع على ذلك، فلا ينبغي الإشكال في سقوط ما ذكره العلّامة سيّما بعد ما عرفت من خروج أخبار الثمانية عشر عن الحجّية للتعارض الواقع فيها، فتأمّل جيّداً.
بقي الكلام في الأمر الثاني، و هو رجوع ذات العادة إليها مع تجاوز الدم العشرة و إلى العشرة مع الانقطاع عليها كالحائض فيهما، بخلاف غير ذات العادة من المبتدأة و المضطربة، فإنّ لهما العشرة مع التجاوز، و إلّا فما انقطع الدم عليه من الأيام. فنقول:
أمّا ما ذكرناه من حكم الاولى فهو المصرّح به على لسان جملة من الأعيان، و يرشد إليه:
١- زيادة على ما تكرّر ذكره من كون النفاس حيضاً احتبس لغذاء الولد.
٢- كما هو قضية أصالة مشاركة النفاس للحيض في الأحكام إلّا ما خرج.
٣- و المنساق من سبر ما جاء من الأخبار ممّا يتعلّق بذات العادة من الحائض و النفساء، فإنّ الجميع على نسق واحد من إطلاق بعضها الرجوع إلى عادتها، و بعضها مع الاستظهار بيوم أو يومين أو ثلاثة أو بعشرة على جعل «الباء» بمعنى «إلى» على نحو ما جاء في الحائض من غير فرق أصلًا.
٤- أنّه وجه الجمع في هذه الأخبار، بحمل ما دلّ منها على الرجوع إلى العادة من غير ذكر الاستظهار على ما تضمّنه منها، و حمل أخبار الاستظهار المتضمّنة لليوم أو اليومين أو الثلاثة على إرادة الاستظهار إلى العشرة؛ لقول الصادق (عليه السلام) ليونس: «تنتظر عدّتها التي كانت تجلس، ثمّ تستظهر بعشرة» [٢] بناءً على كون «الباء» بمعنى «إلى» كما ذكره الشيخ [٣]، فيكون الترديد فيها باليوم أو اليومين أو الثلاثة باعتبار اختلاف عادات النساء بالسبعة و الثمانية و التسعة و نحو ذلك، لا للتخيير، كما تقدّم الكلام فيه في الحائض، و اعترف به بعضهم [٤] هنا.
[١] الرياض ٢: ١٣١.
[٢] الوسائل ٢: ٣٠٣، ب ١٣ من الحيض، ح ١٢.
[٣] تقدّم في ص ٣١٤.
[٤] المعتبر ١: ٢٥٦.