جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٧٧ - الاستحاضة الكبرى
..........
و كيف كان، فقد يحتجّ للأوّل: ١- بقوله تعالى: «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ» [١]. ٢- و بما تقدّم سابقاً من إيجاب الوضوء مع سائر الأغسال، منها: قوله (عليه السلام): «في كلّ غسل وضوء» [٢]. ٣- و بأولوية هذا القسم من السابقين في إيجاب ذلك. ٤- و بأصالة عدم إغناء هذا الغسل عن الوضوء.
لكن قد يناقش في الأوّل: ١- بعدم العموم في الآية، بل أقصاه الإطلاق المنصرف إلى غير محلّ البحث؛ أعني الحدث الأصغر. ٢- بل ورد في المعتبرة [٣] تفسيرها بالقيام من النوم، بل نقل عن المفسّرين ذلك أيضاً. ٣- و لو سلّم، فلا عموم فيها بالنظر إلى الأشخاص؛ لكون المستفاد منها الحكم بالنسبة إلى الرجال، فإلحاق النسوة بهم إنّما هو بالإجماع، و هو مفقود في المقام. و في الثاني: بأنّ أقصاه بعد القول فيه إيجاب الوضوء في كلّ غسل، لا كلّ صلاة. و في الثالث: بمنع الأولوية بعد إيجاب الغسل في المقام. و في الرابع: بأنّه إنّما يتّجه بعد ثبوت الدليل على الإلزام بالوضوء، أمّا مع عدمه فلا أصل.
و قد يدفع الأوّل- بعد تسليم إرادة الحدث الأصغر- بأنّ استمرار حدث الاستحاضة بعد الغسل منه؛ لظهور الاتّفاق على حدثيّته في هذا الحال، مع عدم إيجاب الغسل له، فيتعيّن كونه أصغر بالنسبة إلى ذلك. و إلحاق النسوة إنّما هو بالإجماع على أصالة الاشتراك في التكاليف، فلا يقدح وقوع الخلاف في المقام كالحضور و الغيبة. و الثاني: بظهور ما قدّمناه سابقاً في محلّه أنّ الغسل لا يغني عن الوضوء، كظهور قوله: «في كلّ غسل وضوء» أنّ كلّ موجب للأكبر موجب للأصغر، و ربّما يظهر من ملاحظة الأدلّة أنّ دم الاستحاضة حدث، بل في المختلف دعوى الإجماع عليه [٤].
و يرشد إليه: ١- مضافاً إلى ذلك. ٢- إيجاب الغسل و الوضوء لهذا الدم المستمرّ كالمغرب مثلًا.
٣- على أنّه لا معنى لدعوى حدثيّة الابتداء دون الاستدامة، فيتحصّل حينئذٍ من مجموع ذلك: إيجاب الوضوء و الغسل عند كلّ صلاة، و سقوط الثاني بالإجماع و نحوه لا يقضي بسقوط الأوّل. على أنّ إسقاطه الوضوء إمّا لإغناء الغسل عنه، أو لإغناء الوضوء الأوّل عنه، أو لأنّه لم يثبت حدثيّة هذا الدم في هذا الحال. و الكلّ كما ترى قد ظهر لك بطلانه. كما أنّه ظهر لك منه أيضاً بطلان باقي ما تقدّم من المناقشات الاخر، و بطلان ما عساه يستند به للثاني- من الأصل، و البناء على الاجتزاء بالغسل عنه، كما ذهب إليه علم الهدى [٥]- من خلوّ النصوص عن التعرّض للوضوء، و اقتصارها على الأغسال الثلاثة في مقام البيان، كما أنّه قد يشعر التفصيل في بعضها بذلك. لكنّك خبير أنّ ذلك لا يعارض ما دلّ على وجوب الوضوء مع كلّ غسل، بل لعلّ الترك فيها كترك التعرّض له هنا من بعض قدماء الأصحاب إنّما هو للايكال على ما ذكروه من إيجاب الوضوء مع كلّ غسل عدا الجنابة.
و من جميع ذلك ظهر لك مستند القول الثالث، و هو الاكتفاء بالغسل و الوضوء للصلاتين؛ لما دلّ على أنّ في كلّ غسل وضوء مع عدم الدليل على الزيادة. و ربّما يؤيّده تعليق الأمر بالوضوء لكلّ صلاة على عدم ثقب الدم الكرسف في صحيحة معاوية بن عمّار [٧] و غيرها، و هو لا يخلو من قوّة و إن كان الأوّل أقوى؛ لما عرفت.
[١] المائدة: ٦.
[٢] الوسائل ٢: ٢٤٨، ب ٣٥ من الجنابة، ح ٢.
[٣] الوسائل ١: ٢٥٣، ب ٣ من نواقض الوضوء، ح ٧.
[٤] المختلف ١: ٣٧٤.
[٥] جمل العلم و العمل (رسائل المرتضى) ٣: ٢٤.
[٧] الوسائل ٢: ٣٧١، ب ١ من الاستحاضة، ح ١.