جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢١ - وجدان المني في الثوب أو الجسد
..........
قلت: و الظاهر أنّ مراده بالضمير [هو] أصل الحكم لا ما نقله عن نهاية الإحكام، كما يرشد إليه استقراء كلمات من نقل عنهم، فإنّ أكثرها كالصريح في اعتبار العلم سيّما إجماع التذكرة [١]، فإنّك قد عرفت أنّه لم ينقله على ما نحن فيه في أحد الوجهين، على أنّه علّله بما تقدّم.
و من العجيب ما وقع في الرياض أيضاً من تقييده أوّلًا بإمكان كون المنيّ منه و عدم احتماله من غيره، ثمّ اكتفائه بظاهر الحال، و كأنّه تبع في ذلك كاشف اللثام في مزجه لعبارة القواعد، لكنّك قد عرفت أنّه لم يكتف بظاهر الحال، بل اعتبر العلم، فصحّ له ذلك، بخلافه هو.
ثمّ إنّ اختياره اختصاص ذلك في صورة الانتباه كأنّه في غير محلّه؛ بناءً على المنقول إليه من إجماع التذكرة و غيره الذي يكون قرينة على التعدّي عن محلّ سؤال الروايتين، و الحاصل: أنّ التعرّض لما في كلامه يحتاج إلى تطويل.
الثالث: أن يراد بكلام الأصحاب ما هو المتعارف الوقوع، الكثير الدوران في غالب أفراد الناس، و هو أنّهم يجدون المنيّ في الثوب المختصّ و يعلمون أنّه منهم، لكن لم يعلموه أنّه من جنابة سابقة قد اغتسل عنها أو لاحقة متجدّدة، فإنّه حينئذٍ بمجرّد ذلك أوجبوا الاغتسال، و يكون المدار على نفي احتمال كونه من غيره، كما لعلّه تشعر به بعض كلمات بعضهم.
لا يقال: إنّ ذكر ذلك أيضاً قليل الفائدة كالوجه الأوّل؛ لأنّه من المعلوم أنّه إذا علم كون المنيّ منه يجب عليه الاغتسال.
لأنّا نقول: إنّه اشتباه؛ لأنّ العلم بكون المنيّ منه أعمّ من وجوب الاغتسال؛ إذ قد يكون من جنابة قد اغتسل عنها، و لا ينقض اليقين إلّا بيقين مثله.
لا يقال: إنّه يكون من قبيل من تيقّن الطهارة و الحدث و لم يعلم السابق منهما، فإنّه يجب عليه الاغتسال حينئذٍ، و قد ذكروا ذلك في محلّه، فأي فائدة لهم في ذكره هنا.
لأنّا نقول: إنّه فرق واضح بين ما نحن فيه و بين تلك المسألة؛ لأنّه في المقام لا يعلم حدوث جنابة غير الاولى، فكان الأصل عدمها كما هو كذلك في كلِّ ما شكّ في تعدّده و اتّحاده، بخلاف تلك؛ فإنّه من المعلوم وقوع الحدث و الطهارة، لكنّه جهل صفة السبق و اللحوق، و هنا لم يعلم أصل الوجود، فضلًا عن السبق و اللحوق، فحينئذٍ يكون كلام الأصحاب لبيان مسألة مخالفة للقواعد لمكان الروايات، و لا ينافيه ذكر العلم في كلام جملة منهم؛ إذ هو أعمّ من إيجاب الغسل.
و كأنّ هذا الوجه ليس ببعيد، بل هو أقرب من سابقه، إلّا أنّ الأقوى في النظر الوجه الأوّل، فلا يجب الاغتسال إلّا بالعلم بكونه منه، و أنّه من جنابة جديدة لم يغتسل منها و إن لم يعرف وقتها، و عليه تنزّل الروايات، و يحمل خبر أبي بصير المتقدّم ٢- الذي ظاهره عدم وجوب الاغتسال- على صورة عدم العلم بكونه من جنابة سابقة أو لاحقة و إن علم بكونه منه، فإنّ رؤيته له بثوبه لا يقضي بأزيد من ذلك.
الرابع: احتمال كون المدار على مجرّد احتمال كونه منه تعبّداً محضاً، و يكون الفرق بين هذا و الوجه الثاني اعتبار المظنّة في المتقدّم دونه. و إذ قد عرفت ضعفه، فهذا بالطريق الأولى، فكان أصحّ الوجوه الأوّل.
[١] ١، ٢ تقدّم في ص ١٨.