جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٧٨ - الغسل المسنون لغيره
[و الأقوى الاستحباب مطلقاً و لو للتوبة من الصغيرة] (١).
(١) بل ربّما قيل باستفادة استحباب الغسل للتوبة و لو من الصغير كما يقتضيه عبارة من أطلق استحباب الغسل لها، بل في صريح المنتهى الإجماع عليه [١]؛ بدعوى إشعار الاستدلال عليه بالآية الشريفة كقوله (عليه السلام) في آخره: «و أسأله التوبة من كلّ ما يكره»، مع ظهور صغر ذنبه الذي قد أمره الإمام (عليه السلام) بالتوبة منه؛ إذ ليس هو إلّا الإقدام على ما يحتمل كونه معصية و ترك السؤال عنه كما هو ظاهر الرواية، و لم يثبت كون ذلك من الكبائر. و جعل الإمام (عليه السلام) له أمراً عظيماً إمّا لعظمه في نفسه، أو لأنّه في مقام الزجر و الردع، أو غير ذلك.
قلت: لكنّ الإنصاف أنّ ذلك كلّه تعسّف:
١- لعدم الإشعار في الاستدلال بالآية- كالكلّية في آخره- بالاغتسال لكلّ ذنب.
٢- و الجاهل المقصّر كالعالم في عظم الذنب و صغره أيضاً.
٣- و لا ريب في كون استماع الغناء- سيّما من مثل الجواري؛ إذ الغالب اشتماله على الملاهي حينئذٍ و غيره- كبيرة من العالم.
٤- و أيضاً مع التسليم، فالمفهوم من قوله (عليه السلام): «كنت مقيماً» الإصرار على ذلك و هو كبيرة.
فظهر حينئذٍ أنّ الاستدلال به على ذلك لا يخلو من تأمّل، فمن هنا اقتصر في الغنية، كما عن غيرها على الكبيرة [٢]، و ربّما فهم من نحو عبارة المصنّف و القواعد [٣]؛ لعدم تحقّق الفسق بالصغيرة، إلّا أن يصرّ عليها، فتكون كبيرة حينئذٍ.
و منه يظهر دليل آخر غير الأصل؛ لعدم استحباب الغسل لها، من حيث وقوعها مكفّرة، فلا توبة منها حتى يشرع الغسل لها. لكن قد يقال: إنّه يكفي في ثبوت الاستحباب إجماع المنتهى المؤيّد بصريح الفتوى من جماعة، كإطلاق آخرين الغسل للتوبة، حتى نسب إلى الأصحاب في المعتبر [٤]، و عدّه في الوسيلة من المندوب بلا خلاف [٥]، بل لعلّ عبارة المصنّف و نحوها يراد من الفسق فيها- بقرينة المقابلة بالكفر- ما هو أعمّ منهما. فينحصر الخلاف حينئذٍ في خصوص من قيّد بالكبيرة، و هو قليل. و في المصابيح: أنّ التعميم هو المشهور بل المجمع عليه؛ لندرة المخالف و انقراضه بالنسبة إلى اولئك [٦]، مع احتمال عدم التخصيص منهم. كما أنّه يحتمل أيضاً شمول الكبيرة، بدعوى أنّ سائر الذنوب كبائر و إن اختلفت شدّةً و ضعفاً، كما عن بعض نسبته إلى الجميع [٧]، و آخر إلى الأكثر ٨. و الصغائر تقع مكفَّرة في حال الغفلة و النسيان، و إلّا فالتوبة واجبة عن كلّ ذنب، و الصغيرة بترك التوبة تكون كبيرة، و لعلّه على هذا يحمل قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ) [٩] الآية. على أنّ محلّ البحث حيث تتحقّق التوبة عن الصغيرة التي ليست بكبيرة، كما لو فرض إرادة التوبة عن بعض الصغائر لمرتكب الكبائر، و دعوى عدم جواز تبعيض التوبة ممنوع، فتأمّل جيّداً.
فظهر لك أنّ الأقوى حينئذٍ استحباب الغسل مطلقاً.
[١] المنتهى ٢: ٤٧٤، ٤٧٥.
[٢] الغنية: ٦٢.
[٣] القواعد ١: ١٧٨.
[٤] المعتبر ١: ٣٥٩.
[٥] الوسيلة: ٥٤- ٥٥.
[٦] ٦، ٨ مصابيح الأحكام: ٢٠٤.
[٧] مجمع البيان ٣- ٤: ٣٨.
[٩] النساء: ٣١.