جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٥٠ - منها أن تربَّع الجنازة
..........
يمكن أن يقال: إنّ يمين السرير و يساره بحسب ما جاور من جانبي الميّت، سيّما فيما كان مستعملًا في ذلك الزمان من العمودين، بل يمكن أن يعتبر شخصاً مستلقياً على قفاه كالميّت. و بذلك تنطبق عبارات الأصحاب، فقد يطلق يسار الجنازة و يراد به ما يلي يمين الميّت كما في عبارة الخلاف بالاعتبار الأوّل، و قد يطلق على هذا بخصوصه أنّه يمين السرير بالاعتبار الثاني كما في عبارة المبسوط و غيره من عبارات الأصحاب، بل كاد يكون صريح عبارة المنتهى [١] و غيره، فلاحظ.
و للمتأمّل في كلماتهم أمارات على ذلك: منها: نقلُه في الخلاف الإجماع على ذلك و هو بنفسه قد ذكر في المبسوط و عن النهاية الابتداء بيمنى السرير كعبارات كثير من الأصحاب. و منها: أنّه لو اريد بيمنى السرير الذي يلي يسار الميّت لم يتيسّر وضعه على العاتق الأيمن للحامل إلّا بمشقّة و المشي بالقهقرى، سيّما في مثل التوابيت المستعملة في زماننا، و لعلّها كانت قديمة. و منها: أنّ الذي ذكرناه كاد يكون صريح خبر الفضل بن يونس، قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن تربيع الجنازة، قال: «إذا كنت في موضع تقيّة فابدأ باليد اليمنى، ثمّ بالرجل اليمنى، ثمّ ارجع من مكانك إلى ميامن الميّت، لا تمرّ خلف رجليه البتّة حتّى تستقبل الجنازة، فتأخذ يده اليسرى ثمّ رجله اليسرى، ثمّ ارجع من مكانك [لا تمرّ] خلف الجنازة البتّة حتى تستقبلها تفعل كما فعلت أوّلًا، فإن لم تكن تتّقي فيه فإنّ تربيع الجنازة التي جرت به السنّة أن تبدأ باليد اليمنى، ثمّ بالرجل اليمنى، ثمّ بالرجل اليسرى، ثمّ باليد اليسرى حتى تدور حولها» [٢]؛ إذ لا ريب أنّ المراد باليد و الرجل فيه إنّما هو بالنسبة إلى الميّت، و هو بعينه ما ذكرناه. و غيره من الأخبار و إن لم يكن بهذه الصراحة إلّا أنّه يمكن إرجاعه إليه بخلاف العكس:
١- كقول الصادق (عليه السلام) في خبر العلاء بن سيابة: «تبدأ في حمل السرير من الجانب الأيمن، ثمّ تمرّ عليه من خلفه إلى الجانب الآخر، ثمّ تمرّ حتى ترجع إلى المقدّم كذلك دوران الرحى عليه» ٣؛ إذ يمكن حمل الأيمن فيه على أيمن الميّت أو السرير بالاعتبار الذي ذكرناه.
٢- و كقول أبي الحسن موسى (عليه السلام) في خبر علي بن يقطين: «السنّة في حمل الجنازة أن تستقبل جانب السرير بشقّك الأيمن، فتلزم الأيسر بكفّك الأيمن، ثمّ تمرّ عليه إلى الجانب الآخر، و تدور من خلفه إلى الجانب الثالث من السرير، ثمّ تمرّ عليه إلى الجانب الرابع ممّا يلي يسارك» ٤ و هو كالصريح فيما قلنا، و يراد بالأيسر فيه من السرير بالاعتبار المعروف، و لا حاجة إلى ما تكلّفه في كشف اللثام في رفع المنافاة بينها و بين كلام المشهور [٥]، مع ما فيه من النظر، فتأمّل جيّداً.
٣- و كقول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن أبي يعفور المروي في السرائر نقلًا من جامع البزنطي: «السنّة أن تستقبل الجنازة من جانبها الأيمن، و هو ممّا يلي يسارك، ثمّ تصير إلى مؤخّره، و تدور عليه حتّى ترجع إلى مقدّمه» [٦]؛ إذ كما يحتمل أن يكون ممّا يلي يسارك لو كنت ماشياً في جانب السرير الذي يليه، يحتمل أن يكون المراد لو كنت ماشياً خلفه، و إن حمل على حالة الاستقبال فهو و إن كان يمين الميّت يحاذي يمينه حينئذٍ، لكن إذا جاوزه مائلًا إلى يمين الميّت ليأخذ السرير يلي يمين الميّت حينئذٍ يساره، و هذا و إن كان لا يخلو من بُعد في الجملة لكن لا بأس به بعد ما عرفت.
[١] المنتهى ٧: ٢٦٤.
[٢] ٢، ٣، ٤ الوسائل ٣: ١٥٦، ب ٨ من الدفن، ح ٣، ٥، ٤.
[٥] كشف اللثام ٢: ٣٢٨.
[٦] السرائر ٣: ٥٧٦. الوسائل ٣: ١٥٥، ب ٨ من الدفن، ح ٢.