جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٩٨ - غسل الميّت
و لعلّه الأقوى (١).
(١) للحسن كالصحيح عن أبان بن تغلب، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «الذي يقتل في سبيل اللّٰه يدفن في ثيابه و لا يغسّل، إلّا أن يدركه المسلمون و به رمق ثمّ يموت بعد؛ فإنّه يغسّل و يكفّن و يحنّط، إنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) كفّن حمزة في ثيابه و لم يغسّله و لكنّه صلّى عليه» [١]. و نحوه في ذلك خبره الآخر، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الذي يقتل في سبيل اللّٰه أ يغسّل و يكفّن و يحنّط؟
قال: «يدفن كما هو في ثيابه، إلّا أن يكون به رمق ... إلى آخره» [٢]. و مضمر أبي خالد، قال: «اغسل [كلّ] الموتى: الغريق و أكيل السبع و كلّ شيء، إلّا ما قتل بين الصفّين، فإن كان به رمق غسّل، و إلّا فلا» [٣]. و لا ينافي ذلك تعليق الحكم على الشهيد في غيرها من الأخبار [٤]، بدعوى اعتبار الإمام (عليه السلام) أو نائبه في مسمّاه، لا أقل من الشكّ، سيّما بعد الاعتضاد بفتوى من عرفت من الأصحاب، فيبقى حينئذٍ عموم ما دلّ على تغسيل كلّ ميّت محكّماً، مع إمكان دعوى انصراف تلك الأخبار إلى المقتول بين يدى الإمام (عليه السلام) أو نائبه؛ لمنع اعتبار ذلك فيه شرعاً و غيره.
و لعلّ الخصم إنّما ينازع في الحكم مع تسليم دخوله في الشهيد حقيقة، كما هو ظاهر عبارة المصنّف (رحمه الله) من كون الوصف مخصّصاً، فحينئذٍ يكون ما علّق فيه الحكم على الشهيد شاهداً للمختار لا عليه. و من هنا قد استدلّ في الذكرى [٥] بعموم لفظ الشهيد. و ما في كشف اللثام من أنّه قد يمنع [٦] ممنوع. قال في القاموس: «الشهيد: القتيل في سبيل اللّٰه تعالى؛ لأنّ ملائكة الرحمن تشهده، أو لأنّ اللّٰه تعالى و ملائكته شهود له بالجنة، أو لأنّه ممّن يستشهد به يوم القيامة على الامم الخالية، أو لسقوطه على الشهادة- أي الأرض- أو لأنّه حيّ عند ربّه حاضر، أو لأنّه يشهد ملكوت اللّٰه و ملكه» [٧] انتهى. و في المغرب: «قال النضر:
الشهيد الحيّ، كأنّه تأوّل قوله تعالى: (وَ لٰا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ) [٨] كأنّ أرواحهم احتضرت دار السلام، و أرواح غيرهم لا تشهدها إلى يوم القيامة، و قال أبو بكر: سمّوا شهداء لأنّ اللّٰه تعالى و ملائكته شهود له بالجنة، و قال غيره: سمّوا شهداء لأنّهم ممّن يستشهد به يوم القيامة مع النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) على الأُمم الخالية» [٩] انتهى. هذا، مع أنّه لا ريب في ثبوت الاستعمال للفظ الشهيد فيما نحن فيه، و الأصل فيه هنا الحقيقة بدعوى الوضع للكلي الشامل له، و للمقتول بين يدي الإمام (عليه السلام)؛ إذ هو خير من المجاز و يؤيّد ذلك أيضاً الصدق العرفي حقيقة، و هو كاشف عن غيره حتى لو كان المعنى شرعيّاً، من غير فرق بين القول بوضعه له شرعاً أو لا؛ إذ العرف المتشرّعي ضابط للمراد الشرعي، مجازاً كان أو حقيقة، فتأمّل جيّداً. نعم قد يشعر قوله (عليه السلام) في مضمر أبي خالد: «إلّا ما قتل بين الصفّين» باعتبار تقابل العسكرين في جريان خصوص هذا الحكم على الشهيد، فلا يشمل من قتل من المسلمين بدون ذلك، كالمقتول اتّفاقاً [١٠]، أو كان عيناً من عيونهم أو نحو ذلك، إلّا أنّ غيره من الأخبار ممّا اشتملت على التعبير بالقتل في سبيل اللّٰه شاملة له، و لعلّه الأقوى؛ لإطلاق جميع الأصحاب بالنسبة إلى ذلك، فيمكن حينئذٍ تنزيل قوله (عليه السلام): «ما بين الصفّين» على ما لا ينافيه و إن كان هو أخص منه، فتأمّل.
[١] الوسائل ٢: ٥١٠، ب ١٤ من غسل الميّت، ح ٩.
[٢] المصدر السابق: ٥٠٩، ح ٧.
[٣] المصدر السابق: ٥٠٧، ح ٣.
[٤] المصدر السابق: ٥٠٦، ح ١.
[٥] الذكرى ١: ٣٢١.
[٦] كشف اللثام ٢: ٢٢٧.
[٧] القاموس المحيط ١: ٣٠٥.
[٨] آل عمران: ١٦٩.
[٩] لم نعثر عليه.
[١٠] في هامش المطبوعة: «أي مع عسكر المسلمين»، (منه (رحمه الله)).