جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٣٠ - استحاضة ما ليس بحيض
..........
فهذه الأخبار- مع اعتبارها في نفسها و اشتمالها على ما هو كالمعجز، و اعتضادها بما سمعت من الإجماعات التي يشهد لها التتبّع لكثير من كلمات الأصحاب- تحسم مادّة التوقّف في هذا الحكم بالنسبة إليهما معاً، سيّما مع عدم معارض لها سوى ما عساه يظهر من ذيل مرسل يونس الطويل [١] من اختصاص الرجوع للتمييز بالمضطربة التي كانت لها أيام متقدّمة ثمّ اختلط عليها من طول الدم، فزادت و نقصت حتى أغفلت عددها و موضعها من الشهر، و أنّ المبتدأة التي لم تسبق بدم تكلّف أبداً بالتحيّض في علم اللّٰه بستّة أو سبعة. و هو- مع إعراض الأصحاب عنه في خصوص ذلك، فلا جابر له بالنسبة إليه، و التشوّش في متنه الذي يظنّ معه أنّ فيه تصرّفاً من الراوي، كما لا يخفى على من لاحظ ذيله بتمامه، و معارضته بغيره- لا يقاوم ما تقدّم.
و من هنا كان المتّجه تنزيلها على ما إذا كان الدم بلون واحد، كما عساه يشعر به التشبيه في ذيله بقصّة حمنة بنت جحش.
بل قد يفهم من قوله (عليه السلام) في آخره: «و إن اختلط ... إلى آخره» الدلالة على المطلوب كقوله (عليه السلام): «و إن لم يكن الأمر كذلك» في ٣/ ٢٧٠/ ٤٨٦
أحد الاحتمالات، و إن كان الأظهر فيه إرادة بيان المضطربة [٢]. و كيف كان، فلا ينبغي الإشكال في الحكم لذلك بعد ما عرفت.
فما وقع لصاحب الحدائق [٣]- من الإشكال فيه بالنسبة إلى المبتدأة لهذا المرسل و للأخبار [٤] الواردة فيها إذا استمرّ بها الدم، الآمرة لها بالرجوع للعشرة في الدور الأوّل و الثلاثة في الدور الثاني، و يقرب منها غيرها، مع عدم ذكر الرجوع للصفات في شيء، و تخصيصها بأخبارها [الصفات] ليس بأولى من العكس- لا ينبغي أن يلتفت إليه؛ إذ لا أقلّ من أن يكون كلام الأصحاب و إجماعاتهم سبباً للأولويّة. مضافاً إلى قوّة أخبار الصفات من جهات.
و كذا ما يظهر من ابن زهرة في غنيته من عدم ذكر التمييز للمبتدأة، بل جعل مدارها على أكثر الحيض و أقل الطهر [٥].
و ما يظهر من أبي الصلاح في الكافي من جعل مدار المبتدأة على عادة نسائها، و كذا المضطربة التي لا تعرف زمان حيضها من طهرها، لكن ذكر في الثانية أنّها إن لم يكن لها نساء تعرف عادتهن اعتبرت صفة الدم [٦]، كلّ ذلك لما عرفت.
[١] الوسائل ٢: ٢٨٨- ٢٨٩، ب ٨ من الحيض، ح ٣.
[٢] في هامش المطبوعة ورد ما يلي: قال فيه: «و هذه السنن الثلاثة لا تكاد أبداً تخلو من واحدة منهنّ إن كانت لها أيّام معلومة من قليل أو كثير فهي على أيّامها و خلقها الذي جرت عليه ليس فيه عدد معلوم موقّت غير أيّامها، و إن كان اختلطت الأيام عليها و تقدّمت و تأخّرت و تغيّر عليها الدم ألواناً فسنّتها إقبال الدم و إدباره و تغيّر حالاته، و إن لم يكن لها أيام قبل ذلك و استحاضت أوّل ما رأت فوقتها سبع، و طهرها ثلاث و عشرون، و إن استمرّ بها الدم أشهراً فعلت في كلّ شهر كما قال (صلى الله عليه و آله و سلم) لها، فإن انقطع الدم في أقلّ من سبع أو أكثر فإنّها تغتسل ساعة ترى الطهر و تصلّي، فلا تزال كذلك حتى تنظر ما يكون في الشهر الثاني، فإن انقطع الدم لوقته في الشهر الأوّل سواء حتّى توالى عليها حيضتان أو ثلاث فقد علم أنّ ذلك قد صار لها وقتاً و خلقاً معروفاً تعمل عليه و تدع ما سواه- إلى أن قال: و إن اختلط عليها أيامها و زادت و نقصت حتى لا تقف على حدّ و لا من الدم على لون عملت بإقبال الدم و إدباره، و ليس لها سنّة غير هذا؛ لقول رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم): إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، و إذا أدبرت فاغتسلي. و لقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ دم الحيض أسود يعرف. كقول أبي (عليه السلام): إذا رأيت الدم البحراني. فإن لم يكن الأمر كذلك و لكن الدم أطبق عليها فلم تزل الاستحاضة دارّة و كان الدم على لون واحد و حالة واحدة فسنّتها السبع و الثلاث و العشرون؛ لأنّ قصّتها كقصّة حمنة حين قالت: إنّي اثجّه ثجّاً، فتأمّل جيّداً»، منه (رحمه الله).
[٣] الحدائق ٣: ١٩٤.
[٤] الوسائل ٢: ٢٩١، ب ٨ من الحيض، ح ٥، ٦.
[٥] الغنية: ٣٨.
[٦] الكافي: ١٢٨.