جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٣٦ - أقلّ الحيض و أكثره
..........
و ربّما استدلّ أيضاً بما في الفقه الرضوي: «فإن رأت الدم يوماً أو يومين فليس ذلك من الحيض ما لم ترَ الدم ثلاثة [١] أيام متواليات ... إلى آخره» [٢]، بعد انجباره بالشهرة العظيمة. بل في الرياض: أنّه لا دليل سواه، قال: «و ما زعم من ثبوت الصلاة في الذمّة بيقين فلا يسقط التكليف إلّا مع تيقّن السبب، و لا يقين مع عدم التوالي، و أصالة عدم تعلّق أحكام الحائض، ضعيفان.
أمّا الأوّل: فبمنع ثبوتها في الذمّة في المقام، كيف لا؟! و هو أوّل الكلام، مع أنّ مقتضى الأصل عدمه. و التمسّك بدليل الاستصحاب في صورة رؤيتها الدم المزبور بعد دخول الوقت و مضيّ مقدار الطهارة و الصلاة و إلحاق ما قبله به لعدم القائل بالفرق، معارض بالتمسّك به في صورة رؤيتها إيّاه قبل الدخول، و يلحق به ما بعده بالإجماع المزبور. هذا، مع ضعف هذا الأصل من وجوه اخر لا تخفى على من تدبّر.
و أمّا الثاني [أي أصالة عدم تعلّق أحكام الحائض]: فبمعارضته بأصالة عدم التكليف بالعبادات المشروطة بالطهارة» [٣] انتهى.
و لا يخفى عليك أنّه لا يرد شيء ممّا ذكره على ما ذكرناه من الاصول و القواعد و العمومات. مضافاً إلى ما في منعه الأوّل و دعوى أنّ الأصل عدم الشغل.
و معارضة ما ذكره من الاستصحاب أوّلًا بالاستصحاب في صورة رؤيتها الدم قبل الوقت، و ثانياً بأصالة عدم التكليف بالعبادة المشروطة بالطهارة، و ذلك لأنّ المراد من ثبوتها في الذمّة إنّما هو بالخطاب التعليقي المتحقّق التكليف به قبل دخول الوقت؛ إذ ليس قوله: «صلّ إن دخل الوقت» مجرّد إخبار كما عساه يتخيّل، بل هو خطاب و تكليف بالفعل عند دخول الوقت، و من هنا يصدق على العبد الذي أمره سيّده بفعل معلّق أنّه مكلّف و مخاطب، و لذا يجب على المكلّف في بعض الصور حفظ ما يتوقّف عليه الفعل قبل دخول الوقت إذا علم عدم وجوده بعده.
على أنّ التمسّك باستصحاب البراءة قبل دخول الوقت في نفي الشغل بعده لا يخلو من تأمّل و نظر. كيف لا؟! مع أنّا نعلم أنّ براءتها قبل الوقت إنّما هو لعدم دخول الوقت الذي ينقطع بمجرّد دخول الوقت. نعم لو كان الشكّ في كون الآن الثاني من الوقت مشغلًا لها بنفسه و كانت بريئة قبله أمكن جريان هذا الاستصحاب، و منه يعلم فساد ما ذكره أخيراً من التمسّك بأصالة العدم، على أنّه كيف يتصوّر جريانه مع استصحاب الطهارة؟ فتأمّل جيّداً.
فإن قلت: كيف لا يتّجه الاستدلال بما ذكرت أوّلًا مع دوران الأمر بين الحيض و الاستحاضة؛ إذ كما أنّ الأصل عدم الحيض فالأصل عدم الاستحاضة أيضاً؟
قلت: أمّا أوّلًا: نمنع الحكم بالاستحاضة بمجرّد انتفاء الحيض، بل نقول: إنّ الأصل عدمهما كما يشعر به مرسل يونس الآتي حيث قال (عليه السلام) فيه: «إنّما كان من علّة إمّا قرحة في جوفها و إمّا من الجوف» [٤].
[١] في المصدرين: «ما لم تر ثلاثة».
[٢] فقه الرضا (عليه السلام): ١٩٢. المستدرك ٢: ١٢، ب ١٠ من الحيض، ح ١.
[٣] الرياض ١: ٣٤١.
[٤] الوسائل ٢: ٣٠٠، ب ١٢ من الحيض، ح ٢.