شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٠٩ - الفصل السابع فى بيان الحدوث الذّاتى للمكنات
[الفصل السابع [فى بيان الحدوث الذّاتى للمكنات]]
تنبيه: الشّىء يكون بعد الشّىء من وجوه كثيرة: مثل البعديّة الزّمانيّة و المكانيّة. و إنّما نحتاج الآن من الجملة إلى ما يكون باستحقاق الوجود، و إن لم يمتنع أن يكونا في الزّمان معا. و ذلك إذا كان وجود هذا عن آخر، و وجود الآخر ليس عنه. فما استحقّ هذا الوجود إلّا و الآخر حصل له الوجود، و وصل [١] إليه الحصول [٢]؛ و أمّا الآخر فليس يتوسّط هذا بينه و بين ذلك الآخر في الوجود، بل يصل إليه الوجود لا عنه، و ليس يصل إلى ذلك إلّا مارّا على الآخر. و هذا مثل ما تقول [٣]: حرّكت يدى فتحرّك المفتاح، أو ثمّ تحرّك المفتاح، و لا تقول: تحرّك المفتاح فتحرّكت يدى، أو ثمّ تحرّكت يدى، و إن كانا معا في الزّمان. فهذه بعديّة بالذّات [٤].
ثمّ أنت تعلم أنّ حال الشّىء الّذى يكون للشّىء باعتبار ذاته، متخلّيا عن غيره، قبل حاله من غيره قبليّة بالذّات. و كلّ موجود عن غيره يستحقّ العدم لو انفرد. أو لا يكون له وجود له انفرد، بل إنّما يكون له الوجود [٥] عن غيره. فإذن [٦] لا يكون له وجود قبل أن يكون له وجود، و هو الحدوث الذّاتى.
التّفسير: المطلوب من هذا الفصل بيان الحدوث الذّاتى [٧] للممكنات، لكنّه قبل الخوض فيه بيّن حقيقة كون الشّىء بعد غيره بالذّات. و اعلم أنّ الشّىء قد يكون بعد غيره بالزّمان و المكان [٨]، و هما مشهوران. و قد يكون بعد غيره بالذّات [٩]، و مثل [١٠] هذا البعد قد يمكن وجوده مع القبل في زمان واحد. ثمّ هذا على قسمين: أحدهما أن يكون القبل علّة للبعد [١١]، كحركة اليد فإنّها علّة لحركة الكمّ [١٢].
و الثّانى أن لا تكون كذلك، كالواحد فإنّه متقدّم على الاثنين و إن لم يكن علّة له.
و لقائل أن يقول: إن كان المراد بتقدّم العلّة على المعلول كونها مؤثّرة فيه، فذلك حقّ، لكنّه كلام لا فائدة فيه؛ لأنّه لا معنى لكونه [١٣] علّة له [١٤] إلّا كونه مؤثّرا فيه. فإذا قلنا: العلّة متقدّمة على المعلول؛
[١] - وصل: بتوسّطه كان م.
[٢] - الحصول:+ و بتوسّطه كان وصل إليه الحصول أو الوجود: على هامش م.
[٣] - تقول: يقول مص، م.
[٤] - بالذّات: فى الذّات س، م.
[٥] - إنّما يكون له الوجود:- س، مص.
[٦] - فإذن: فإن س، م.
[٧] - الذّاتى: الذى مص.
[٨] - و المكان:- س.
[٩] - بالذّات:+ و هو البعد ط.
[١٠] - مثل: هل مج.
[١١] - القبل علّة للبعد: القبليّة علّة للبعديّة مص.
[١٢] - الكمّ: صحّح على هامش م على «المفتاح».
[١٣] - لا معنى لكونه: لا يعنى بكونه ط، م.
[١٤] - له:- م، ط، مج.