شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٧٦ - الفصل التّاسع فى إثبات اللّذّة العقليّة و أنّها أشرف و أقوى من اللّذّات الحسّيّة
على ذلك حجّة و [١] برهانا أصلا. بلى لو أنّكم سمّيتم [٢] هذا الإدراك باللذّة لكان متى ثبت حصول هذا الإدراك للنّفس، ثبت حصول اللذّة لها. و لكنّه [٣] تصير المسئلة مسئلة لغويّة، و معلوم أنّ ذلك ليس [٤] من المباحث العقليّة في شىء. ثمّ الّذى يحقّق هذه المطالبة [٥] هو أنّ النّفس قبل الموت قد تكون عالمة بهذه المعلومات، مع أنّ الإنسان لا يجد تلك اللذّات العظيمة. و لو كانت الإدراكات هى [٦] نفس اللذّات لاستحال ذلك.
لا يقال: إنّ [٧] النّفس قبل الموت [٨] مستغرقة في تدبير البدن فصار استغراقها في ذلك مانعا عن [٩] الشّعور بتلك اللذّات؛ لأنّا نقول: إنّكم تقولون: إنّ [١٠] الإدراك هو نفس اللذّة. و على هذا لا يستقيم ذلك العذر [١١]؛ لأنّ الإدراك لمّا حصل استحال أن يكون هناك [١٢] ما يمنع [١٣] عن [١٤] حصول اللذّة، و إلّا لكان الشّىء مانعا [١٥] عن حصول [١٦] الشّىء عند حصوله، و ذلك محال. بلى لو قلتم: اللذّة مغايرة للإدراك، حاصلة عند حصوله، استقام هذا العذر. و لكنّه ينفتح عند ذلك أبواب كثيرة من الشّكوك و الشّبهات. فإنّا نقول: إذا كانت اللذّة مغايرة للإدراك، فلم قلتم: إنّه يلزم [١٧] من حصول الإدراك حصول اللّذّة؟ و لم لا يجوز أن يقال: خصوصيّة النّفس و إن كانت لا تأبى عن قبول الإدراك، لكنّها تأبى عن قبول اللذّة فلأجل [١٨] عدم استعدادها لقبول اللذّة ما حصلت اللذّة، و إن كان الإدراك حاصلا. و هذا القدر من الاعتراض على ما احتجّوا به في إثبات اللذّة العقليّة كاف، و من أراد الاستقصاء في تعديد الاحتمالات فعليه بكتاب [١٩] الملخّص. و لنرجع إلى التّفسير.
أمّا قوله: «كلّ مستلذّ به فهو سبب كمال يحصل للمدرك [٢٠]»
؛ فالمراد منه [٢١] ما قرّره في الفصل [٢٢] السالف أنّ اللذّة إدراك الكمال، فالمستلذّ لا بدّ و أن يكون سببا لحصول كمال ما للمدرك.
و أمّا قوله: «ثمّ لا يشكّ في أنّ الكمالات»
؛ إلى قوله: «و على هذا حال سائر القوى»؛ فالمراد منه إثبات القضيّة المذكورة بالاستقراء. فإنّ المستلذّ به في الشّهوة سبب لحصول [٢٣] كمال ما
[١] - و:+ لا س.
[٢] - سميّتم:+ نفس م، مج.
[٣] - لكنّه: لكنّ س.
[٤] - أنّ ذلك ليس: أنّه ليس ذلك س.
[٥] - المطالبة: المطالب مص.:+ و ط، م، مج.
[٦] - هى:- ط.
[٧] - إنّ:- ط، م.
[٨] - الموت: البدن س.
[٩] - عن: من ط.
[١٠] - إنّ:- م، مج، مص.
[١١] - العذر: القدر مص.
[١٢] - هناك: ههنا ط، م.
[١٣] - ما يمنع: مانع مج.: ما يمتنع م.
[١٤] - عن: من س.
[١٥] - لكان الشّىء مانعا: كان للشّىء مانع س.
[١٦] - حصول:+ ذلك س.
[١٧] - يلزم: لا يلزم م.
[١٨] - فلأجل: لأجل مج.
[١٩] - بكتاب: فى كتاب م.
[٢٠] - للمدرك: الإدراك ط.
[٢١] - منه:- مج.
[٢٢] - الفصل:- ط.
[٢٣] - لحصول: حصول ط.