شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٧٥ - الفصل الثّانى و العشرون فى بيان أنّه تعالى ليس مركّبا من الوجود و الماهيّة
[الفصل الثّانى و العشرون [فى بيان أنّه تعالى ليس مركّبا من الوجود و الماهيّة]]
إشارة: كلّ ما لا يدخل الوجود في مفهوم ذاته، على ما اعتبرنا قبل، فالوجود غير مقوّم له في ماهيّته [١]. و لا يجوز أن يكون لازما لذاته على ما بان. فبقى أن يكون عن غيره.
التّفسير: لمّا فرغ عن [٢] الدّلالة على استحالة الكثرة على الإطلاق في ذاته تعالى، شرع الآن فيما يدلّ على امتناع كلّ واحد من أقسام الكثرة. و المقصود من هذا الفصل بيان أنّه تعالى ليس فيه كثرة بسبب مغايرة الوجود و الماهيّة. و تقريره: أنّ كلّ [٣] ما لا يكون الوجود نفس ماهيّته فالوجود إمّا أن يكون جزءا من ماهيّته، أو خارجا عنها. فإن كان جزءا من ماهيّته فهو محال، أمّا أوّلا؛ فلأنّه تصير ماهيّته تعالى مركّبة، و قد بان فساده. و أمّا ثانيا: فلأنّ ماهيّته إذا كانت مركّبة من الوجود و من غيره، و من المعلوم بالضّرورة أنّ أحد الجزئين خارج عن الآخر، فالجزء الّذى هو الوجود خارج عن الجزء الآخر [٤]. فإمّا أن يكون هذا الوجود [٥] قائما بنفسه فيكون واجبا لذاته، و يكون الوجود حينئذ تمام ماهيّته؛ و قد فرضنا أنّه ليس كذلك. و إمّا أن لا يكون قائما بنفسه بل يكون صفة لشىء آخر، و الصّفة خارجة عن الموصوف، فيكون الوجود خارجا عن الماهيّة، فقد بيّنّا أنّ الّذى يكون كذلك كان وجوده مستفادا من الغير، فالواجب لذاته يستحيل أن يكون كذلك. و لنرجع إلى شرح المتن.
أمّا قوله: «كلّ ما لا يدخل الوجود في مفهوم ذاته على ما اعتبرنا قبل، فالوجود غير مقوّم لماهيّته»
؛ فاعلم أنّ [٦] المراد منه أنّ الشّىء الّذى لا يكون الوجود تمام ماهيّته، فإنّه يستحيل أيضا [٧] أن يكون جزءا من ماهيّته على ما بيّنّاه. و يجب أن يفسّر قوله: «كلّ ما لا يدخل الوجود في مفهوم ذاته»؛ بما لا يكون الوجود تمام ماهيّته [٨]، إذ [٩] لو حملناه على ظاهره لم يبق بين الموضوع و المحمول فرق؛ لأنّه [١٠] لا فرق بين قولنا: الوجود غير داخل في ذاته؛ و بين قولنا: غير مقوّم لماهيّته. و حينئذ يصير المعنى: كلّ ما لا يكون الوجود جزءا من ذاته لم يكن الوجود جزءا من ذاته. فأمّا إذا فسّرناه بما ذكرناه
[١] - فى ماهيّته: لماهيّته مص.: على الهامش س.
[٢] - عن: من مص.
[٣] - كلّ:- مج.: على الهامش س.
[٤] - فالجزء ... الآخر:- س.
[٥] - الوجود: الوجوب مص.
[٦] - فاعلم أنّ:- س.
[٧] - أيضا:- ط، م، مج.
[٨] - تمام ماهيّته: تمام ذاته م، مج.: تمام ذلك ط.
[٩] - إذ: فإنّا ط.
[١٠] - لأنّه: إلا أنّه مج.