شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٩٩ - الفصل الخامس فى بيان أنّ غرض العارف هو الحقّ الأوّل
هو الغاية، و هو المطلوب دونه.
التّفسير: لمّا ذكر ما [١] فى العبادات من المنافع [٢] شرع ههنا في بيان [٣] أنّ العارف لما ذا يريد اللّه تعالى، و لما ذا يعبده؟ فزعم أوّلا [٤] أنّه يريد اللّه للّه، لا لغرض سواه.
و من النّاس من أحال القول بذلك و زعم أنّ الإرادة صفة لا تتعلّق إلّا بالممكنات؛ لأنّها صفة تقتضى ترجيح أحد طرفى المراد على الآخر، و ذلك لا يعقل إلّا في الممكنات. فإذا قلنا: العارف يريد اللّه؛ فمعناه أنّه [٥] يريد معرفته، و محبّته، و الالتذاذ بالنّظر إلى وجهه الكريم، أو ثوابه، أو [٦] الخلاص عن [٧] عقابه. فيكون المراد بالحقيقة [٨] هذه الأشياء لا ذات اللّه تعالى. و أيضا فالشّيخ برهن فى أوّل النمط السادس [٩] أنّ كلّ مراد فلا بدّ [١٠] و أن يكون حصوله أولى لذلك المريد من عدمه، و يكون المقصود [١١] بالقصد الأوّل حصول تلك الأولويّة. و بنى [١٢] على هذا الأصل [١٣] أنّ كلّ من فعل الفعل بالإرادة فهو مستكمل. و إذا كان كذلك، فكلّ من أراد اللّه تعالى، لم يكن المراد الأوّل هناك ذات اللّه تعالى، بل الاستكمال العائد منه إلى المريد. فلا يكون المراد الأوّل إلّا ذلك الاستكمال [١٤].
و أمّا المتألّهون من الفلاسفة و الصّوفيّة فقد اتّفقوا على أنّ الإنسان يصحّ أن يريد اللّه تعالى للّه [١٥] لا لشىء سواه. و احتجّوا عليه بأنّ الكمال محبوب لذاته. فكلّ ما [١٦] كان الاطّلاع على كمال المعلوم أتمّ، كان حبّه أشدّ. و كلّما كان الحبّ أشدّ، كان [١٧] الاستغراق فيه [١٨] و الانقطاع عمّا عداه [١٩] أتمّ. و ربّما انتهى الأمر في ذلك إلى أن يصير الإنسان غافلا عن نفسه و عن حبّه لذلك المحبوب. بل كأنّه لا يبقى له شعور إلّا بالمحبوب فقط. و العشق الشّديد في الشّاهد ما يبيّن صدق هذه القضايا. و إذا كان كذلك ففى تلك الحالة حبّ استكماله باللّه تعالى غير حاصل؛ لأنّ حبّ الشّىء مشروط [٢٠] بالشّعور به. فإذا [٢١] كان هو في هذه الحالة غافلا عن كلّ ما [٢٢] سوى اللّه تعالى، استحال أن يكون محبّا لشىء [٢٣] سوى اللّه تعالى. و أمّا حبّ اللّه تعالى فهو حاصل، لأنّ الشّعور التّامّ بكمال اللّه تعالى حاصل
[١] - ما:- س.
[٢] - المنافع:+ ما ذكر س.
[٣] - بيان:- س.
[٤] - أوّلا:- مج.
[٥] - أنّه: أنّ العارف مص.
[٦] - أو: و س.
[٧] - عن: من مج.
[٨] - بالحقيقة: حقيقة س.
[٩] - السادس:+ على مج.
[١٠] - فلا بدّ:+ له م.
[١١] - المقصود: المطلوب ط، م، مص.
[١٢] - بنى: يبنى مج.: هى مص.
[١٣] - الأصل:- ط، م.
[١٤] - العائد منه ... الاستكمال: ثابتة على الهامش م.
[١٥] - للّه:- س.
[١٦] - فكلّ ما: و كلّما ط، مص.
[١٧] - كلّما كان الحبّ أشدّ كان:- ط.
[١٨] - فيه: به أشدّ ط، م، مج، مص.
[١٩] - عداه: سواه مص.
[٢٠] - مشروط: منوط مج.
[٢١] - فإذا: و أمّا إذا س.
[٢٢] - كلّ ما: كلّ شىء س.
[٢٣] - لشىء:+ ما س.