شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٢ - الفصل السادس الدّليل على إثبات الهيولى من جهة عروض الانفصال و الاتّصال عليها
فإن كان لها حصول في الحيّز [١] فإمّا أن يكون على سبيل الاستقلال، أو على سبيل التّبعيّة. فإن كان على سبيل الاستقلال لكانت [٢] الهيولى متحيّزة، و ذلك محال: أمّا أوّلا، فلأنّ حلول الجسميّة فيها يلزم منه اجتماع المثلين. و أمّا ثانيا، فلأنّه لا يكون أحدهما بالحالّيّة و الآخر بالمحلّيّة أولى من العكس. و أمّا ثالثا، فلأنّ تلك الهيولى إن احتاجت إلى محلّ فالكلام في محلّها كالكلام فيها، و لزم التّسلسل. و إن لم تكن بها [٣] حاجة إلى المحلّ كانت الجسميّة غنيّة عن المحلّ، و هو المطلوب. و أمّا إن كان على سبيل التّبعيّة فذلك بأن يقال: الجسميّة تحصل بذاتها في الحيّز؛ و تلك الهيولى تحصل في ذلك الحيّز تبعا لحصول [٤] الجسميّة فيه. و إذا كان حصولى الهيولى في ذلك الحيّز؛ تبعا لحصول [٥] الجسميّة فيه [٦]، كانت الهيولى صفة [٧]، و الجسميّة موصوفا. إذ لو جاز أن يكون الأمر بالعكس، فليجز كون الجسم حالّا في اللّون أو الطّعم [٨] أو غيرهما. و إن كان حصولها [٩] فى الحيّز تبعا لحصول الجسم [١٠] فيه [١١]، و إذا كانت الهيولى صفة حالّة في الجسم استحال كون الجسم، حالّا فيها [١٢]. و أمّا إن لم تكن الهيولى حاصلة في الحيّز لا على سبيل الاستقلال و لا على سبيل التّبعيّة، مع أنّ الجسميّة مختصّة بذلك الحيّز، استحال أن تكون الجسميّة حالّة في الهيولى؛ لأنّا نعلم بالضّرورة أنّ المختصّ بالجهة بالذّات يستحيل [١٣] أن يكون حاصلا و حالّا فيما لا اختصاص [١٤] له بتلك الجهة لا بالذّات و لا بالتّبعيّة.
و لو جازت المكابرة في تجويز ذلك فليجز أن يقال: الأجسام بأسرها حالّة في ذات البارى تعالى، و إن لم يكن للبارى [١٥] تعالى اختصاص بالجهة لا بالذّات و لا بالتّبعيّة. فثبت أنّ القول بحلول الجسميّة في محلّ يؤدّى إلى هذه الأقسام الباطلة فيكون القول به باطلا.
فهذا آخر الكلام في هذا الفصل. و هذه الحجّة بعينها يمكن أن يتمسّك بها في نفى كون المقدار مغايرا للجسميّة بأن تؤخذ الجسميّة مكان الهيولى، و المقدار مكان الجسميّة، ثمّ تساق الحجّة على وجهها.
[١] - أو لا يكون ... فى الحيّز:- م.
[٢] - لكانت: كانت مج.
[٣] - بها: لها م.
[٤] - لحصول:+ تلك مج.
[٥] - لحصول:+ تلك م.
[٦] - و إذا كان حصول ... الجسميّة فيه:- مج.
[٧] - صفة:+ حالّة في الجسم مص.
[٨] - الطّعم: فى الطّعم م.
[٩] - حصولها: حصولهما م.
[١٠] - الجسم: الجسميّة م.
[١١] - و الجسميّة موصوفا ... لحصول الجسم فيه:- مص.
[١٢] - الجسم حالّا فيها: الجسميّة حالّا في الهيولى مص.
[١٣] - أن تكون الجسميّة ... بالذّات يستحيل:- م.
[١٤] - لا اختصاص: اختصاص مص.
[١٥] - للبارى: له مص.