شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٠ - الفصل السادس الدّليل على إثبات الهيولى من جهة عروض الانفصال و الاتّصال عليها
الانفصال فلأنّه متى ظهر الانفصال فقد بطلت وحدة الاتّصال السابق و شخصيّته، و متى بطلت وحدته و شخصيّته فقد بطل ذلك الاتّصال المعيّن و عدم، و ما يجب عدمه عند حدوث الشّىء استحال [١] أن يكون قابلا لذلك الشّىء. فثبت أنّ المتّصل بذاته لا يعرض له الاتّصال و الانفصال.
و أمّا قوله: «فإذن قوّة هذا القبول غير وجود المقبول بالفعل و غير هيئته و صورته»
؛ فاعلم أنّ تفسير ذلك لا يتمّ إلّا بالبحث عن أمور ثلاثة: أوّلها؛ أنّ قوله: «فإذن قوّة هذا القبول غير وجود المقبول» مشعر بأنّ هذه القضيّة نتيجة لقياس مضى ذكره، فأين القياس المنتج لهذه النّتيجة؟ الثّانى [٢]؛ أنّه و إن كان حقّا أنّ قوّة قبول الشّىء غير وجود المقبول، لكنّا لا نحتاج إلى ذكر ذلك ههنا؛ لأنّ [٣] المطلوب في هذا الفصل إثبات المادّة للجسميّة. فإذا [٤] بيّنّا أنّ القابل للانفصال ليس هو الاتّصال لزم وجود شىء آخر يكون هو قابلا للانفصال و الاتّصال من غير حاجة إلى بيان أنّ قوّة قبول الشّىء هل هو غير المقبول أو نفسه. و ثالثها؛ طلب الفرق بين الشّىء الّذى هو ههنا مقبول بالفعل، و بين هيئة ذلك المقبول، و بين صورته.
فنقول: أمّا الأوّل؛ فجوابه أنّ القياس المنتج لهذه القضيّة ليس مذكورا بالفعل، و إن كان مذكورا بالقوّة القريبة من الفعل؛ لأنّه قد ذكر أنّ الجسم قد يعرض له انفصال و انفكاك [٥]، أى الجسم قد يحدث فيه الانفصال. ثمّ من البيّن أنّ كلّ ما يحدث فإنّ قوّة حدوثه كانت حاصلة قبل حدوثه. و أنّ كلّ ما كان حاصلا قبل حصول ذلك الشّىء فإنّه مغاير لذلك الشّىء. و ذلك يقتضى أن تكون قوّة قبول الشّىء مغايرة لذلك المقبول. ثمّ إنّ الشّيخ قنع [٦] من هذا القياس بذكر المقدّمة الأولى و أهمل ذكر المقدّمتين الباقيتين لغاية وضوحهما.
و أمّا الثّانى؛ فهو أنّ [٧] إثبات المادّة لا يمكن إلّا ببيان أنّ قوّة قبول الشّىء غير نفس المقبول. لأنّا إذا قلنا: الجسم قد يعرض له انفصال، فإنّما [٨] يمكننا إثبات المادّة لو أمكننا [٩] أن نقول: إنّ ذلك الانفصال لا بدّ له من محلّ، و ليس محلّه الاتّصال [١٠]، فلا بدّ من شىء آخر. و لكن ذلك غير صحيح لأنّ الانفصال عدم الاتّصال عمّا من شأنه أن يتّصل، و الأمور العدميّة لا تستدعى محلّا ثابتا موجودا.
[١] - استحال: و استحال مص.
[٢] - الثّانى: و ثانيها مص.
[٣] - لأنّ:- مص.
[٤] - فإذا: و إذا مج.
[٥] - انفكاك: انعكاس مج.
[٦] - قنع: منع مص.
[٧] - فهو أنّ: فإنّ م.
[٨] - فإنّما: فإنّا مص.
[٩] - لو أمكننا: لمّا أمكننا م.
[١٠] - الاتّصال: الانفصال مج.