شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٥٤ - الفصل التّاسع فى إثبات القوى المدركة و أحوالها
بأنّ لصاحب هذا اللّون هذا الطّعم. و إذا سمعنا صوت إنسان عرفناه بعينه، و ما ذلك [١] إلّا لعلمنا بأنّ صاحب هذا الصّوت هو صاحب هذا [٢] الشّكل. ثمّ من الظّاهر أنّ من حكم بشىء على شىء وجب أن يكون عالما بكلّ واحد منهما، إذ التّصديق يتقدّمه [٣] لا محالة تصوّر الموضوع و المحمول. فإذن فينا قوّة واحدة تدرك جملة هذه الأشياء المحسوسة بالحواسّ الظّاهرة، و ذلك الشّىء ليس هو الحواسّ الظّاهرة، فإنّ كلّ واحد منها لا يحسّ إلّا بنوع واحد من المحسوسات. و لا النّفس النّاطقة، لأنّها لا تدرك الجزئيّات. فإذن لا بدّ من قوّة جسمانيّة مدركة لجميع [٤] مدركات الحواسّ [٥] الظّاهرة، و هو الحسّ المشترك و خزانته الخيال.
و لقائل أن يقول: إنّه كما [٦] يمكننا أن نحكم بأنّ لصاحب هذا اللّون هذا الطّعم، يمكننا أن نحكم على زيد بأنّه إنسان و أنّه ليس بفرس. و إذا حكمنا بذلك، فالمحكوم عليه هو زيد و هو شخص معيّن محسوس [٧]، و المحكوم [٨] به هو الإنسان و هو ماهيّة كلّيّة. و ليس لأحد أن ينازع في صحّة الحكم بالكلّى [٩] على الجزئى. أمّا أوّلا فلأنّه لو جاز الامتناع من ذلك، لجاز الامتناع من صحّة الحكم بأنّ هذا الملوّن هو هذا المشكّل. و أمّا ثانيا فلأنّهم قد اعترفوا بذلك في المنطق حيث بيّنوا أنّ أقسام الحمل أربعة: حمل الجزئى على الجزئى، و الكلّى على الكلّى، و الجزئى على الكلّى، و الكلّى على الجزئى. و لم ينقل عن أحد منهم الامتناع من هذا التّقسيم. و أمّا ثالثا، فلأنّا إذا رجعنا إلى أنفسنا علمنا صحّة ذلك بالضّرورة، فلم يكن لمخالفة [١٠] من يخالف فيه عبرة. [١١] و إذا كان كذلك: فنقول الحاكم بشىء على شىء إمّا أن يجب [١٢] أن يحضره المقضىّ عليهما [١٣]، أو لا يجب. فإن لم يجب فقد سقطت حجّتكم. و إن وجب فالحاكم على زيد بأنّه إنسان [١٤] لا بدّ و أن يكون مدركا لزيد [١٥] بعينه، و للإنسان أيضا. لكنّ المدرك للإنسان الّذى هو الكلّى هو النّفس النّاطقة [١٦] عندكم، فيجب أن يكون المدرك لزيد هو النّفس النّاطقة، فإذن النّفس النّاطقة يمكن أن تكون مدركة للجزئيّات. و إذا كان
[١] - و ما ذلك: و ما كان ذلك س.
[٢] - هذا: ذلك س.
[٣] - يتقدّمه: مقدّمة مص.
[٤] - لجميع: بجميع مج، مص.
[٥] - مدركات الحواسّ: المدركات للحواسّ س.: المدركات الحواسّ مج.
[٦] - إنّه كما: كما أنّه م، مج.
[٧] - محسوس:- س.
[٨] - و المحكوم: فالمحكوم م.
[٩] - الحكم بالكلّى: حمل الكلّى م، مص.
[١٠] - لمخالفة: يخالفه مص.
[١١] - عبرة: غيره م، مص.
[١٢] - أن يجب:- مج.
[١٣] - عليهما: عليه مص، ص.
[١٤] - إنسان: الإنسان مص.
[١٥] - لزيد: لذاته س، مص.
[١٦] - النّاطقه:- س.