شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٣٩ - الفصل السابع عشر فى دفع ما يوهم أنّ حصول صور المعلومات الكثيرة في ذات البارى تعالى ينافى وحدته الحقيقيّة
المتناهية. و حاصل جوابه أنّه التزم ذلك، و بيّن أنّه لا يلزم منه محذور، لأنّ [١] الدّلالة أنّما دلّت على تنزيه [٢] ذات اللّه تعالى عن الكثرة. فأمّا أن [٣] لا يكون في [٤] لوازمه كثرة فذلك ممّا لم يثبت بالدّلالة أصلا. و قد بيّنّا أنّ علمه تعالى بالأشياء [٥] من لوازم علمه بذاته، فتكون الكثرة الحاصلة بسبب علمه بالأشياء كثرة في لوازم ذاته. و كثرة اللّوازم لا توجب الكثرة في الملزوم، [٦] فإنّ الوحدة الّتى هى أبعد الأشياء عن طباع [٧] الكثرة يلزمها لوازم غير متناهية من كونها نصفا للإثنين، و ثلثا للثّلاثة، و ربعا للأربعة، و هلمّ جرّا إلى ما لا نهاية له [٨].
ثمّ قال [٩] بعد ذلك: «فالأوّل يعرض [١٠] له كثرة لوازم إضافيّة، و غير إضافيّة [١١]، و كثرة سلوب، و بسبب [١٢] ذلك كثرة أسماء، لكن لا تأثير [١٣] لذلك في وحدانيّة ذاته تعالى [١٤]»؛
و أقول: إنّ هذا الكلام يدلّ على رجوع الشّيخ عن مذهب [١٥] الفلاسفة في مسئلتين من أمّهات المسائل:
إحداهما؛ أنّ المشهور من قولهم أنّ البسيط لا يكون قابلا و فاعلا معا، و ههنا اعترف [١٦] بأنّ المؤثّر في تلك الصّور [١٧] العقليّة ذاته تعالى، و القابل لها أيضا ذاته، فالبسيط هناك قابل فاعل.
و ثانيتهما [١٨]؛ أنّ المشهور من مذهبهم أنّه ليس للّه تعالى من الصّفات إلّا الإضافات و السلوب، و ههنا اعترف بأنّ للّه تعالى كثرة لوازم إضافيّة، و غير إضافيّة، و كثرة سلوب، فأثبت للّه تعالى صفات ثبوتيّة غير إضافيّة. و كيف يمكنه أن لا يعترف بذلك، و عنده أنّ اللّه تعالى عالم بالماهيّات، و العلم بالأشياء عنده [١٩] عبارة عن حصول صورها في العالم. و تلك الصّور ليست مجرّد إضافات، لأنّ من [٢٠] مذهبه أنّ الصّورة [٢١] الحاصلة عند العقل مساوية لماهيّة المعقول [٢٢]، و المساوى [٢٣] للجواهر و الكمّيّات [٢٤] و الكيفيّات في تمام ماهيّاتها كيف يكون مجرّد إضافات؟ فظهر أنّ الفلاسفة لا يمكنهم
[١] - لأنّ: لكن ط.
[٢] - تنزيه: تنزّه مص.
[٣] - أن: أنّه م، مص.
[٤] - فى: من مج.
[٥] - بالأشياء:- مج.
[٦] - بالأشياء كثرة في ... فى الملزوم: بالأشياء الكثيرة في اللّوازم و لكثر اللوازم لا توجد الكثرة في اللزوم ط.
[٧] - طباع: طبائع مج، مص.
[٨] - له: لها س:- ط.
[٩] - قال:- س.
[١٠] - يعرض: يفرض مج.
[١١] - غير إضافية:- م.
[١٢] - بسبب: سبب ط، مج.
[١٣] - لكن لا تأثير: لا تأثير مج.: أى تأثير مص.
[١٤] - ذاته تعالى: اللّه تعالى س.
[١٥] - مذهب: مذاهب ط، مص.
[١٦] - اعترف:+ الشّيخ مج، مص.
[١٧] - الصّور: الصّورة ط، م، مص.
[١٨] - ثانيتهما: ثانيهما ط، م، مج، مص.
[١٩] - عنده: عندهم س.
[٢٠] - من:- ط، س.
[٢١] - الصّورة: الصّور م، مج، مص.
[٢٢] - المعقول: العقول م، مص.
[٢٣] - المساوى: المبادى مج.
[٢٤] - الكمّيّات: الممكنات م.