شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٠٠ - الفصل الثّامن و العشرون فى البحث عن المقادير
المعلول، بل ارتفاع العلّة متقدّم على ارتفاع المعلول [١]. و بالجملة فالعلّة و المعلول يوجدان معا و يعدمان معا في الزّمان، و لكنّ المعلول يكون محتاجا في وجوده و عدمه إلى وجود العلّة و عدمها من غير عكس، فاندفع الشّك.
[الفصل السابع و العشرون [لا فرق بين الفلكيّات و العنصريّات فيما قلنا من كون الصّورة شريكة لسبب أصلىّ و يكون مجموعهما علّة لوجود الهيولى]]
تذنيب: يجب أن تتلّطف من نفسك، و تعلم أنّ الحال فيما لا تفارقه صورته في تقدّم الصّورة هذه الحال.
التّفسير: قد عرفت أنّ الأجسام الّتى لا تفارقها صورها هى الأجسام الفلكيّة، فنقول: إنّ هيولى الفلك و صورته يستحيل أن يكون كلّ واحدة منهما غنيّة عن الأخرى، أو يكون كلّ واحدة منهما محتاجة إلى الأخرى لمّا مر. و يستحيل أن تكون الهيولى علّة لوجود صورها، لأنّ الهيولى قابلة للصّورة. فلو كانت علّة لها [٢] لكان الشّىء الواحد قابلا و فاعلا؛ و أنّه محال عندهم. فبقى أن تكون الصّورة علّة للهيولى. ثمّ إنّها إمّا أن تكون علّة مطلقة، أو واسطة مطلقة؛ و يبطلهما بالوجه الّذى مرّ.
فلم يبق إلّا أن تكون الصّورة هناك أيضا [٣] شريكة لسبب أصلىّ [٤]، و يكون مجموعهما علّة لوجود تلك الهيولى.
و اعلم أنّه لا تفاوت بين الكلام في هيولى الأجسام الّتى تفارقها صورها و بين الكلام في هيولى الأجسام الّتى لا تفارقها صورها إلّا في شىء واحد، و هو أنّا حيث بيّنّا أنّ الهيولى في الجسم الّذى تفارقها صورتها [٥] ليست علّة لها، إنّما بيّنّا ذلك بأن قلنا: إنّ تلك الصّورة إذا زالت وجب أن يعقّبها بدل، و معقّب البدل مقيم لتلك المادّة بذلك البدل. و هذا الطريق لا يمكن أن يتمسّك به في بيان أنّ هيولى الفلك ليست علّة لصورتها، بل أثبتنا ذلك هناك بأن قلنا: الهيولى لو كانت علّة لتلك الصّورة مع أنّها قابلة لها، لزم كون الشّىء الواحد قابلا و فاعلا؛ و أنّه محال.
و لقائل أن يقول: تعقّلات البارى تعالى للكلّيّات صور حاصلة في ذاته على ما صرّح به في
[١] - بل ارتفاع ... ارتفاع المعلول:- م.
[٢] - لها:- مص.
[٣] - أيضا:- م، ه.
[٤] - لسبب أصلى: ليست أصل م.
[٥] - الهيولى في الجسم الّذى تفارقها صورتها: الهيولى الّتى تفارقها صورها مج.
شرح الإشارات و التنبيهات (الفخر الرازي )، ج٢، ص: ١٠١
النّمط السابع [١]، و ذلك ينقض هذا الّذى ذكره الآن [٢].
و هذا الطّريق يمكن أن يتمسّك به في أنّ هيولى العناصر ليست علّة لصورها، لكنّ الشّيخ [٣] لم يذكر هناك هذا [٤] الطّريق العامّ، بل ذكر طريقا يختصّ بها، و لا يمكن [٥] إيرادها في الصّور الفلكيّة.
لا جرم زعم أنّه لا بدّ من التّلطّف في معرفة أنّ الحال فيما لا تفارقه صورته مثل الحال فيما تفارقه صورته.
المسئلة التّاسعة فى أحكام المقادير [٦]
و فيها فصل واحد.
[الفصل الثّامن و العشرون [فى البحث عن المقادير]]
تنبيه [٧]: الجسم ينتهى ببسيطه، و هو قطعه. و البسيط ينتهى بخطّه، و هو قطعه. و الخطّ ينتهى بنقطته [٨]، و هى قطعه. و الجسم يلزمه السطح، لا من حيث تتقوّم جسميّته، بل من حيث يلزمه التّناهى بعد كونه جسما. فلا كونه ذا سطح، و لا كونه متناهيا، أمر يدخل في تصوّره جسما، و لذلك قد يمكن قوما أن يتصوّروا جسما غير متناه إلى أن يتبيّن لهم امتناع ما يتصوّرونه.
و أمّا السطح كسطح الكرة من غير اعتبار حركة أو قطع فيوجد و لا خطّ. و أمّا المحور و القطبان و المنطقة فممّا يعترض عند الحركة، و الخطّ كمحيط الدّائرة قد يوجد و لا نقطة. فأمّا المركز فعند ما يتقاطع أقطار، و عند حركة ما، أو بالفرض. و قبل ذلك فوجود نقطة في الوسط كوجود نقطة فى الثّلثين و سائر ما لا يتناهى [٩] فإنّه لا وسط. و لا سائر مفاصل الأجزاء في المقادير إلّا بعد وقوع ما ليس بواجب فيها من حركة أو تجزئة.
و إذا سمعت في تحديد الدّائرة: «و في داخلها نقطة»؛ فمعناه أنّه يتأتّى أن تفرض فيها نقطة. كما [
[١] - راجع: النّمط السابع؛ الفصل السابع عشر؛ ص ٥٣٨]
[٢] - و لقائل أن يقول ... ذكره الآن:- مص.
[٣] - الشيخ:+ لمّا مج.
[٤] - هناك هذا: هناك مص.
[٥] - و لا يمكن: فلا يمكن م.
[٦] - فى احكام المقادير:- م.
[٧] - تنبيه:- مص.
[٨] - بنقطته: بنقطة مص.
[٩] - ما لا يتناهى: ما يتناهى مص.