شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٦٠ - الفصل السابع عشر فى الأجسام العنصريّة و القوى الأوّليّة الّتى بها يتمّ الفعل و الانفعال بين الأركان
بين الحرارة و بين غيرها [١]. و أمّا الأفعال الّتى ذكرتموها للحرارة فإنّا لا نعلم حصولها عقيب ملاقاتها للأجسام إلّا بعد التّعب العظيم في استقراء أحوالها و تتبّع جزئيّاتها. ثمّ إنّ الاستقراء لا يفيد العلم [٢] بأنّ كلّ حرارة [٣] يحصل عقيب ملاقاتها [٤] هذه الآثار. ثمّ بعد القطع بذلك لا يمكن القطع باستناد تلك الآثار إلى الكيفيّة القائمة بجسم النّار مثلا إلّا بعد القدح في الفاعل المختار. و بيان أنّه لا يجوز أن يكون حصول هذه الآثار عقيب ملاقاة النّار لأنّ الفاعل المختار أجرى عادته [٥] بخلق تلك الآثار عقيب ملاقاتها. و معلوم أنّ إثبات كلّ واحد من هذه المراتب يستدعى بحثا و تدقيقا و نظرا [٦] طويلا، فكيف يجوز أن يجعل ذلك معرّفا لحقيقة الحرارة الّتى كلّ من له حسّ سليم يدركها و يميّز بينها و بين كلّ ما عداها؟
و أمّا الطّعوم و الرّوائح؛ فلمّا عجزوا أن يذكروا لكلّ واحد منها أثرا خاصّا اعتقدوا بسبب ذلك أنّ حقائق الطّعوم و الرّوائح غير معلومة لهم [٧]، و هذا خطأ. بل التّحقيق في هذا الباب أن نقول:
لا شكّ أنّ التعريف يستدعى كون المعرّف مجهولا و المعرّف معلوما، و لا يجب أن يكون العلم بكلّ شىء مستفادا من العلم بشىء آخر، و إلّا لزم إمّا الدّور أو التّسلسل [٨]، و هما باطلان [٩]. بل لا بدّ من الانتهاء إلى تصوّرات بديهيّة فطريّة غنيّة عن الاكتساب، و أولى الأشياء بذلك ما يجده الإنسان من نفسه كألمه و لذّته و شهوته [١٠] و غضبه، أو يدركه بحواسّه كمدركات الحواسّ الخمس. فإنّ ماهيّة كلّ واحد من هذه الأشياء تكون متصوّرة لكلّ أحد تصوّرا فطريّا بديهيّا، فمن حاول تعريفها لا يمكنه تعريفها [١١] إلّا بما هو أخفى منها أو بما تساويها [١٢]، و الأمران باطلان. فعلمنا أنّ التّعريفات الّتى ذكروها للحرارة و البرودة و غير هما تعريفات باطلة، و أنّه [١٣] لا ذكرهم لهذه الآثار للحرارة و البرودة أفادهم زيادة معرفة لماهيّتها، و لا عجزهم عن ذكر آثار صادرة عن الطّعوم و الرّوائح يمنعهم من الاحاطة بحقائقها. فهذا هو التّحقيق في هذا الباب.
[١] - و بين غيرها: و غيرها مص.
[٢] - العلم:+ العلم مج.
[٣] - كلّ حرارة: جزءان مص.
[٤] - عقيب ملاقاتها: عقيبها م. على الهامش.
[٥] - عادته: العادة مص.
[٦] - و تدقيقا و نظرا:- م.
[٧] - لهم:- م.
[٨] - أو التّسلسل: و إمّا التّسلسل م.
[٩] - و هما باطلان:- مص.
[١٠] - كألمه و لذّته و شهوته: كالامه و لذّاته و كشهوته مص.
[١١] - لا يمكنه تعريفها: لا يمكن تعريفها م.: لا يكن مص.
[١٢] - بما تساويها: بما تساويا مص.
[١٣] - و أنّه:- مص.