شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٠٣ - الفصل السادس و الثّلاثون فى بيان حجّة على امتناع كون شىء من الأجسام علّة لجسم آخر
آخر، و هو أيضا محال؛ لأنّ ما عدا البارى تعالى و هذه الماهيّة المركّبة من هذين الجزئين معلول هذه الماهيّة المركّبة. فلو جعلنا شيئا آخر [١] علّة لأحد جزأيها لكنّا قد جعلنا شيئا من معلولات [٢] المعلول الأوّل علّة لأحد أجزائه؛ و ذلك محال. فظهر أنّه لا يجوز أن يكون المعلول الأوّل مركّبا من المقوّمات، و به يظهر فساد قولهم: الجوهر جنس لما تحته؛ لأنّه لو كان كذلك لكان العقل الأوّل الدّاخل [٣] فيه [٤] مركّبا من الجنس و الفصل، و قد بيّنّا أنّه محال.
و أمّا قوله: «و كيف لا، و له [٥] ماهيّة إمكانيّة و وجود واجب من غيره [٦]»؛
فاعلم أنّه يشبه أن يكون المراد منه الاستدلال على الدّعوى الّتى ذكرها [٧] من أنّ المعلول الأوّل لا يمتنع [٨] أن يكون مركّبا من المقوّمات. لكن هذا الاستدلال [٩] ضعيف جدّا؛ لأنّ إمكان الشّىء صفة إضافيّة عارضة لماهيّته [١٠]، و الوجود أيضا صفة عارضة [١١]، و كثرة العوارض الخارجة [١٢] لا يقتضى كثرة في الماهيّة. فإنّ البارى تعالى له صفات إضافيّة كثيرة عارضة لذاته، و لا يلزم عن ذلك كون ذاته متقوّمة بأمور مختلفة.
و لأنّ الشّيخ اعترف في النّمط السابع من هذا الكتاب بأنّ تعقّل البارى تعالى للأشياء [١٣] كثرة لا زمة لذاته، و لم يلزم من كثرة تلك اللّوازم وقوع الكثرة في ذاته تعالى.
فظهر أنّ الاستدلال بالكثرة الحاصلة من الإمكان و الوجود على كون الماهيّة متكثّرة غير صحيح. أللهم إلّا أن يقال: إنّه ما عنى بالماهيّة الأمر الّذى هو معروض الإمكان و الوجود، بل المجموع الحاصل من تلك الماهيّة و من الإمكان و الوجود. و لا شكّ أنّ [١٤] ذلك المجموع مركّب و فيه [١٥] كثرة. و لكنّا لو قنعنا بمثل هذه الكثرة في أن يكون مصدرا للمعلولات الكثيرة فهى حاصلة لذات اللّه تعالى، لأنّ ذاته تعالى إذا [١٦] أخذت مع السلوب الكثيرة و الإضافات الكثيرة حصلت هناك كثرة كثيرة جدّا. فلم لا يجعل ذات اللّه تعالى مصدرا للممكنات الكثيرة؟
و أمّا قوله: «ثمّ يجب أن يكون الأمر الصّورى مبدءا للكائن الصّورى، و الأمر الأشبه بالمادّة
[١] - آخر:- مص.
[٢] - معلولات: مقوّمات مص.
[٣] - الدّاخل: الواحد م.
[٤] - فيه:- ط.
[٥] - لا و له: لأنّه م.
[٦] - واجب من غيره: من غير واجب ط، مج.
[٧] - ذكرها: ذكر م.
[٨] - لا يمتنع: لا يمنع م.
[٩] - الاستدلال: استدلال ط.
[١٠] - لماهيّته: للماهيّة ط.
[١١] - عارضة: عرضيّة ط، م، مج.: عارضيّة مص.
[١٢] - الخارجة: الخارجيّة م، مج.
[١٣] - للأشياء: الأشياء ط.:+ الكثيرة ط، مج، مص.
[١٤] - و لا شكّ أنّ:- س.
[١٥] - فيه: منه مج.
[١٦] - لأنّ ذاته تعالى إذا: فإذا س.