شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩٤ - الفصل الثّالث و العشرون فى أنّ الصّورة الّتى يمكن زوالها عن المادّة ليست بمتأخّرة في الوجود عن الهيولى
التّفسير: لمّا بطل كون الصّورة علّة مطلقة أو واسطة مطلقة للهيولى أراد أن يبطل القسم الثّانى من الأقسام الأربعة الّتى صدّر الباب بها، و ذلك هو أن يقال: الصّورة محتاجة إلى الهيولى. و هذا الفصل يشتمل على بيان أنّ الصّورة الّتى يمكن زوالها عن المادّة ليست بمتأخّرة في الوجود عن الهيولى. و تقريره أنّ الصّورة الجوهريّة إذا زالت عن [١] المادّة، فإن لم يحصل عقيبها [٢] فى المادّة صورة أخرى تكون بدلا عنها، لم تبق المادّة موجودة، لما مرّ [٣] أنّ الهيولى لا تخلو عن الجسميّة [٤] و عن سائر الصّور النّوعيّة. و إذا كان كذلك فالشّىء الّذى عقّب [٥] الصّورة الزّائلة بالصّورة الحادثة مقيم للمادّة، أى حافظ لوجود المادّة بواسطة ذلك البدل.
ثمّ إنّه لا يلزم من صدق قولنا: إنّ ذلك المعقّب يحفظ وجود المادّة بذلك البدل، صدق أن تقول: و أنّه [٦] يحفظ ذلك البدل بتلك الهيولى؛ لأنّ الشّىء ما لم يوجد لم يكن حافظا لوجود غيره.
فلو كانت الهيولى مقيمة للصّورة لكانت تقوم أوّلا، ثمّ تصير بعد ذلك مقيمة لوجود الصّورة. و قد كنّا بيّنّا أنّ الصّورة مقيمة للهيولى، فيلزم أن يكون وجود كلّ واحد منهما سابقا على وجود الآخر. و هذا هو المراد من قوله: «و بالجملة لا يمكنك أن تدير [٧] الإقامة.»
و لقائل أن يقول: إنّ هذا الفصل كالمناقض لما مضى، لأنّ فيه بيان أنّ الصّورة متقدّمة على الهيولى، و فيه بيان أنّ الصّورة لمّا كانت متقدّمة على الهيولى استحال أن تكون الهيولى متقدّمة على الصّورة. و قد كانت الحجّة المذكورة على امتناع كون الصّورة علّة للهيولى مبنيّة على أنّ للهيولى تقدّما [٨] بوجه ما [٩] على الصّورة.
و شكّ آخر؛ و هو أنّ قوله: «فمعقّب البدل مقيم للمادّة لا محالة بالبدل»؛ ليس بجيّد [١٠] على الإطلاق، فإنّ [١١] الجسم لا ينفكّ عن أين ما و شكل ما و مقدار ما، و إذا كان كذلك فمتى زال أين معيّن أو شكل معيّن أو مقدار معيّن فلا بدّ و أن يحصل أين آخر [١٢] و شكل آخر و مقدار آخر ليكون بدلا
[١] - زالت عن: فارقت م.
[٢] - عقيبها: عقبها مج.
[٣] - لما مرّ:+ من مج.
[٤] - عن الجسميّة: عن الصّورة الجسميّة مج.
[٥] - عقّب: عقيب مص.
[٦] - و أنّه: أنّه مج.
[٧] - أن تدير: أن تدبّر مج.
[٨] - للهيولى تقدّما: الهيولى تقدّم مص.: الهيولى بعد ما مج.
[٩] - بوجه ما: توجه مج.
[١٠] - ليس بجيّد: ليس نحيله مج.
[١١] - فإنّ: بأنّ مج.
[١٢] - أين آخر: آن آخر مج.