شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٨ - الفصل الثّامن دفع ايراد آخر على وجود الهيولى و هو أنّ الجسم الّذى يعرض له الانفصال ليس بمتّصل الحقيقه بل متألّف من أجزاء كريّة غير قابلة للانفكاك
بين المتباينين من الاتّصال الرّافع للاثنينيّة الانفكاكيّة ما يصحّ بين المتّصلين. و يصحّ بين المتّصلين من الانفكاك الرّافع للاتّحاد الاتّصالى ما يصحّ بين المتباينين. أللّهم إلّا من عائق مانع خارج من طبيعة الامتداد لازم أو زائل. و لعلّ هذا العائق إذا كان [١] لازما طبيعيّا كان لا اثنينيّة بالفعل، و لا فصل بين أشخاص نوع تلك الطّبيعة، بل يكون نوعه في شخصه.
التّفسير: قد بيّنّا أنّ مدار الحجّة المذكورة على إثبات [٢] الهيولى على أنّ الجسم الّذى يكون في نفسه متّصلا قد ينفصل. و حاصل الشّكّ المذكور في هذا الفصل يرجع إلى النّزاع في هذه المقدّمة، و بيانه و هو أنّا إنّما بيّنّا أنّ الجسم شىء واحد في نفسه بأن أبطلنا كونه مؤلّفا من أجزاء لا يتجزّى، سواء كانت متناهية أو غير متناهية. و إنّما أبطلنا [٣] ذلك بأن قلنا: الجزء المتوسّط بين جزئين لا بدّ و أن يكون الجانب الّذى [٤] يلاقى ما على يمينه غير الجانب الّذى يلاقى ما على يساره، و ذلك يقتضى كون الجزء منقسما. و معلوم أنّ هذه الحجّة لا تفيد إلّا كون الجسم قابلا للانقسام الوهمىّ أبدا، و ليس كلّ ما كان قابلا للانقسام الوهمىّ [٥] يجب أن [٦] يكون قابلا للانقسام الانفكاكىّ. و إذا كان كذلك فمن المحتمل أن يقال: الأجسام المحسوسة مؤلّفة من أجزاء كلّ واحد منها غير قابل للانفصال، و إن كان قابلا للقسمة الوهميّة. فالحاصل أنّ الجسم الّذى يعرض له الانفصال ليس بمتّصل [٧] فى الحقيقة [٨]، بل اتّصاله عبارة عن اجتماع الأجزاء، و انفصاله عبارة عن تفرّقها. و الجسم الّذى هو متّصل في الحقيقة، و هو كلّ واحد من تلك الأجزاء الصّغيرة، لا يعرض له الانفصال. و على هذا تسقط الحجّة المذكورة فى إثبات الهيولى. و هذا الّذى [٩] ذكرناه في تقرير هذا السؤال هو مذهب ذيمقراطيس، فإنّه ذهب إلى أنّ الأجسام القابلة للانفصال متألّفة من أجزاء كريّة [١٠] الشّكل غير قابلة للانفكاك، و إن كانت قابلة للقسمة الوهميّة إلى غير النّهاية.
و الجواب عنه: أنّه لمّا ثبت أنّ الجسم قابلا للانقسامات الوهميّة إلى غير النّهاية، وجب أن يكون قابلا للانقسامات الانفكاكيّة أيضا إلى غير النّهاية؛ لأنّ تلك الأجزاء بأسرها متساوية في
[١] - إذا كان: من كلّ مص.
[٢] - على إثبات: فى إثبات مص.
[٣] - كونه مؤلّفا من ... إنّما أبطلنا:- مص.
[٤] - الّذى:+ هو مص.
[٥] - و ليس كلّ ما كان قابلا للانقسام الوهمى:- م.
[٦] - يجب أن: يلزم م.
[٧] - بمتّصل: بمنفصل مج. لكن على الهامش: «بمتّصل».
[٨] - فى الحقيقة: على الحقيقة مص.
[٩] - هذا الّذى: الّذى م.
[١٠] - كريّة: كونه م.