شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٤١ - الفصل التّاسع فى تفسير عناية اللّه تعالى بالمخلوقات
و هذه جملة ستهدى سبيل تفصيلها. [١]
التّفسير: لمّا بيّن أنّه لا يجوز أن يقال: [٢] اللّه تعالى خلق الخلق لينتفعوا به [٣]؛ احتاج إلى تفسير عناية اللّه تعالى بالمخلوقات، فذكر في تفسيرها: إنّ [٤] اللّه تعالى عالم بأنّ الأحسن [٥] الأكمل في [٦] كلّ نوع أىّ شىء هو [٧]؛ ثمّ إنّ علمه بذلك سبب لحصول ذلك المعلوم. فعلمه بذلك، مع صدوره عنه، هو العناية. و هذا [٨] آخر الفصول المذكورة في مسئلة [٩] أنّ كلّ فاعل بالقصد و الاختيار فهو مستكمل بفعله.
و إمّا وجه نظم هذه الفصول و كيفيّة ترتيبها [١٠] فعلى ما أقول: لو كان البارى تعالى فاعلا بالقصد و الاختيار لما كان غنيّا، و لما كان ملكا، و لما كان جوادا. و التّوالى باطلة، فالمقدّم أيضا باطل [١١].
و اعلم أنّ الشّرطيّة لا يمكن تصحيحها إلّا بعد تفسير الغنىّ، و الملك، و الجواد. أمّا الغنىّ فهو الّذى لا يفتقر في ذاته، و لا في شىء من صفاته الحقيقيّة إلى غيره ألبتّة. و أمّا الملك فهو الّذى يستغنى عن كلّ ما عداه، و يفتقر إليه كلّ ما عداه، فيكون الغنىّ جزءا من مفهوم الملك [١٢]. و أمّا الجواد فهو الّذى يفيد ما ينبغى لا لعوض، سواء كان العوض عينا، أو ثناء، أو مدحا، و [١٣] استحقاقا للحمد، و [١٤] تخلّصا عن الذّمّ.
و إذا عرفت تفسير هذه الألفاظ فنقول: الدّليل على صحّة الشّرطيّة أنّ كلّ من فعل فعلا بالقصد و الإرادة فلا بدّ و أن يكون ذلك الفعل أولى به في اعتقاده من تركه، لأنّه إن كان الفعل و التّرك بالنّسبة إليه في اعتقاده على السواء استحال منه ترجيح أحد الطّرفين على الآخر. و كلّ من [١٥] كان الفعل أولى به من التّرك فإنّه يطلب بالفعل استفادة تلك الأولويّة و تحصيلها. فثبت أنّ كلّ فاعل بالقصد فإنّه لا بدّ و أن يكون مستكملا بذلك الفعل، و حينئذ لا يكون غنيّا مطلقا لأنّه مفتقر في حصول ذلك الكمال له [١٦] إلى غيره. و لم يكن ملكا أيضا لأنّ الملك مفسّر بمجموع أمرين أحدهما
[١] - تفصيلها: تفاصيلها س.
[٢] - يقال:+ إنّ ط، مج.
[٣] - لينتفعوا به: لينتفع بهم س.: لينتفع به مج و لكن على الهامش: لينتفعوا.
[٤] - إنّ: بأنّ س.
[٥] - بأنّ الأحسن: بالأحسن مج.
[٦] - فى: من س.
[٧] - كلّ نوع أىّ شىء هو: كلّ شىء أىّ هو مج.
[٨] - هذا: هاهنا ط، م، مج.
[٩] - مسئلة: المسئلة مج.:- ط.
[١٠] - ترتيبها: ترتّبها مج.
[١١] - أيضا باطل: مثلها مج.
[١٢] - فيكون الغنىّ ... الملك:- س، مج.
[١٣] - و: أو مج، مص.
[١٤] - و: أو مج، مص.
[١٥] - من: ما ط، مص.
[١٦] - له:- ط، م.